الأحد، 8 نوفمبر 2015

مناظرة مع الأخ سلمان علي الهمامي حول الاستدلال بآيتي القصص وغافر على العلو...
لما بيّنت سابقا بأن المستدل على أن الله في السماء بقوله تعالى {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ } [القصص: 38]، وقوله تعالى: { وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ} [غافر: 36، 37].... إنما هو في الحقيقة يستدل بقول فرعون وفهْمه، وقد أطلتُ الاستدلال على ذلك[1].... إلا أن الأخ سلمان لم تقنعه كل تلك الأدلة، وراح يجادلني في ذلك، ويزعم أن هذا الاستدلال مسألة اجتهادية[2].
وكان من جملة ما قاله معلقا: "واستدلال القوم إنما هو بقول موسى عليه السلام المدلول عليه بسياق الآيات لا بقول فرعون."[3]
فرددت عليه، ومن جملة ذلك قولي:(.... فهذا القرآن أمامك .... وقد تكررت فيه قصة موسى مع فرعون عشرات المرات .... فأين قال له موسى أن الله في السماء ؟!!!! أصلا المستدل بآيتي القصص وغافر على أن الله في السماء صرّح صرّح بأنه إنما أخذ ذلك اعتمادا على فهْم فرعون حيث قال كل من الزنجاني والأصفهاني بالحرف الواحد : " وكان فرعون قد فهِم عن موسى أنه يُثبت إلهًا فوق السماء" وقد نقلت نصهما في المنشور ؟!!! وقلتُ بأن هذا لا يتم إلا إن قلنا بأن فهْم فرعون حجة ومعصوم من الخطأ ..... وهذا فضيحة كبرى بحد ذاته كما سيأتي بيان ذلك....).اهـ
فرد عليّ الأخ سلمان بما هو في الصورة رقم 1 أدناه....!!!! وأنا سأبدأ بردي عليه مما انتهى إليه الأخ سلمان وهو قوله لي: "فتفهّم يا أستاذ كلام الأئمة! "
فأولا: أنا أشكر الأخ سلمان على نصيحته هذه... ولكن هل يا أخ سلمان أخذت بها قبل أن تنصح ـ مشكورا ـ غيرك بها لئلا تنطبق عليك الآية؟!!!
لتعالوا لنرى هل فهِم الأخُ سلمان نصَّ الإمام أبي عثمان الصابوني ـ رحمه الله ـ الذي نقله عنه محتجا به؟!! وهو قول الصابوني (وإنما قال ذلك لأنه سمع موسى عليه السلام يذكر أن ربه في السماء ، ألا ترى قوله: "وإني لأظنه كاذبا"، يعني في قوله: إن في السماء إلها ).
إن الصابوني يقول هنا : " وإنما قال ذلك لأنه سمع موسى عليه السلام يذكر أن ربه في السماء ".
ثم يستدل على ذلك بقوله: (ألا ترى قوله: "وإني لأظنه كاذبا"، يعني في قوله: إن في السماء إلها)
يعني أن الصابوني يستدل على ما ادعاه من أن فرعون سمع من موسى أن الله في السماء بقول فرعون نفسه " وإني لأظنه كاذبا " ثم بيّن الصابونيُّ وجهَ الدلالة بقوله: (يعني في قوله: إن في السماء إلها).اهـ
فماذا يعني كل هذا في كلام الصابوني الذي انتشى به الأخ سلمان؟
إنه يعني أن الصابوني استنبط أن موسى قال لفرعون أن الله في السماء استنبطه من قول فرعون نفسه كما صرح به الصابوني نفسه في قوله السابق: (ألا ترى قوله: "وإني لأظنه كاذبا"، يعني في قوله: إن في السماء إلها).
فقول الصابوني: "ألا ترى قوله: وإني لأظنه كاذبا " أي قول فرعون، لأنه هو الذي قال : وإني لأظنه كاذبا.
ثم تأملْ قولَ الصابوني: "يعني في قوله: إن في السماء إلها"
فهو صريح بأن الصابوني يستنبط ما قاله موسى لفرعون، يستنبطه من قول فرعون " وإني لأظنه كاذبا ".... حيث اعتبر الصابوني أن فرعون قَصَد بقوله "كاذبا" أي بأن في السماء إلها.
قال وليد ابن الصلاح ـ هداه الله، وغفر الله حوبتَه ـ : أنا لم أقل أكثر من ذلك ...وهو أنكم تستنبطون ما قاله موسى لفرعون، من فَهِمِ فرعونَ وقولِه... فما وجه اعتراضك إذن يا أخ سلمان سلّمك اللهُ من كل سوء؟!!!!
وإليك نص كلامي في المنشور السابق الذي علّقتَ عليه يا أخ سلمان معارضا لي، حيث قلتُ أنا فيه ـ كما في الصورة أدناه رقم 2 ـ: (فإن قلتم: نحن لا نحتج بقول فرعون ولا بفعله، وإنما بما دلّ عليه قوله: {وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [القصص: 38]، وبما دلّ عليه فِعله وهو بناء الصرح، فكلاهما أي قوله وفعله دلّا على أن موسى أخبره بأن الله في السماء وإلا لم يكن لقوله وفعله هذا معنى.... فاستدلالنا في حقيقة الأمر إنما هو بقول موسى لفرعون لا بقول فرعون وفعله كما زعمتم.
قلنا: ولكن استدلالكم هذا لا يتم إلا بعد توسيط فرعون وقوله وفعله وفهمه ....حيث إنكم صرحتم بأنكم اعتمدتم في ذلك على فهم فرعون كما سبق .... ونحن لا نعني بالاستدلال بفرعون إلا هذا... وهو أن تستنبطوا من قول فرعون وفعله وفهْمه ما قاله موسى ـ عليه السلام ـ لفرعون وتتركوا ما أخبرنا اللهُ به في آيات كثيرة عن الحوار الذي جرى بين موسى ـ عليه السلام ـ وبين فرعون، وليس في شيء منها أن موسى أخبر أن الله في السماء.).اهـ
هذا نص كلامي بالحرف ... وبالتالي فإن قول الصابوني الذي احتج بها الأخ سلمان عليّ هو دليل لي لا للأخ سلمان ـ غفر الله لي وله ـ ... بل هل يريد الأخ سلمان دليلا أكبر من كلام الصابوني على ما قلتُه أنا سابقا، وهو أن الاستدلال بالآية هنا يؤول إلى الاستدلال بفرعون وقوله وفهمه.... حتى ولو زعمتَ أنك أخذتَ من قول فرعون ما قاله موسى له.... إذ أنا لم أزعم أكثر من ذلك كما سبق بيانه مرارا... ولا معنى لتكراره.
وهذه عين المشكلة أصلا، وهي في أنك جعلتَ قولَ فرعون وفهمه ـ مع أنه إمام الكفرة والطغاة والأفّاكين ـ مصدرا من المصادر الصحيحة لقول موسى ـ عليه السلام ـ أي نعرف من سياق قول فرعون ما قاله موسى لفرعون... وليس هذا فحسب بل إنك قدّمتَ هذا المصدرَ على قول الله الذي حكى لنا حقيقة ما قاله فرعون لموسى، فتركتَ قولَ الله وتبعتَ قول فرعون ورحتَ تستنبط منه ما قاله له موسى !!!!!
إن الأخ سلمان توهم أن المشكلة هنا هي فقط في الاحتجاج بقول فرعون الشخصي الذي لا يمت إلى موسى بصلة ...وأما إن كان الاحتجاج بقول فرعون لتستنبط من سياقه ما قاله فرعون لموسى ـ عليه السلام ـ ... فهذا لا مشكلة فيه عنده.....لذلك قال الأخ سلمان كما في الصورة أدناه:(...ولكنهم فهموا من سياق قول فرعون أن موسى قد قال ذلك ، فاحتجوا بقول موسى).اهـ ....!!!!!!!
وهذا أمر مضحك جدا ... بل المشكلة في كليهما، وربما كانت الثانية أشد وأخطر ...لأنك حين تحتج بقول فرعون المجرد على مسألة شرعية فلن ينخدع ولن يأبه بك أحد أصلا، لأنك تجعل قولَ فرعون ـ إمام الكفرة والفجرة ـ حجةً شرعية، وهذا معلوم البطلان للكافة.
وأما حينما تستنبط قولَ موسى من سياق قول فرعون وفهمِه وعمله فربما تخدع بعضَ السذج فيظنوا أن الاحتجاج فعلا هو بقول موسى لا بقول فرعون ...!!!
إن المشكلة الكبرى هنا؛ لأنك جعلتَ فرعونَ من مصادر السُّنّة القولية لموسى عليه السلام....!!!
وهذا كما لو أنك جعلتَ عبد الله بن أبيّ بن سلول (إمام المنافقين) ـ أو غيره من الكفرة والفجرة والمنافقين والكذابين ـ مصدرا من مصادر السُّنّة النبوية المطهرة.... ثم رحتَ تزعم أنك لا تحتج بابن سلول ـ ولا بأمثاله ـ وإنما تحتج بما نقله ابن سلول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة ما.... وليس هذا فحسب، بل صرتَ تستنبط من سياق قولِ ابن سلول ما قاله النبيُّ صلى الله عليه وسلم في تلك المسألة... يعني لم تكتفِ بجعْل ابنِ سلول مصدرا من مصادر سنّة النبي صلى الله عليه وسلم.... بل جعلت سياقَ قولِ ابن سلول مصدرا من مصادر السُّنة ....وهذا غاية في الشناعة والسخافة.... !!!!
فما بالك إذا أضفتَ إلى احتجاجك بسياق قول ابن سلول أن تتركَ ما رواه الصحابةُ العدولُ ـ رضي الله عنهم ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أحاديث كثيرة وصريحة في تلك المسألة .... وتكتفي بما نقله ابن سلول في المسألة عينها؟!!!!!!
فما بالك إذا تركتَ ما نقله الله تعالى في آيات كثيرة عن رسوله موسى عليه السلام... ورحت تحتج بسياق قول فرعون على قول موسى كما فعلتَ هنا ؟!!!!
ولو صح هذا الصنيع .... لصح أن يحتج كلُّ من هبَّ ودبَّ بأحاديث الوضاعين والكذابين والكفرة والفجرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ... زاعما أن احتجاجه ليس بهؤلاء الوضاعين وإنما بما نقلوه عن الرسول صلى الله عليه وسلم...!!!
فما بالك إذا احتج بسياق أقوال الوضاعين والكفرة والمنافقين على أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال كذا وكذا... كما فعلتَ هنا حيث احتججتَ بسياق قولِ فرعون ـ كما صرحتَ أنت ـ فاستنبطت منه ما قاله موسى له.....!!!!!
والحاصل أن من يصرّ على أن يحتج بسياق قولِ فرعون على أن موسى قال له إن الله في السماء .... فهو ـ وربما دُونَ أن يشعرَ ـ :
أولا : يكذب على موسى عليه السلام.
ثانيا: يكذب على فرعون أيضا، لاحتمال أن فرعون أنه لم يرد أصلا هذا الذي استنبطه مدعيا أن فرعون أراد بقوله "وإني لأظنه من الكاذبين" أي في أن الله في السماء .... فهذا ليس متعيّنا أصلا كما سبق بيانه حين رجحنا أن فرعون لم يقصد هذا، وإنما قصد فرعون بقوله هذا: أي من الكاذبين في أن له إلها غيري، لأن هذا ما دل عليه سياق آية القصص، وهي قوله تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ } [القصص: 38].....وقد سبق أن بيّنا ذلك مطولا[4].
حتى لو سلّمنا جدلا أن فرعون قصد بقوله"وإني لأظنه من الكاذبين" أي في أن الله في السماء... بل حتى لو افترضنا أن فرعون قال بالصريح المريح: إني سمعتُ موسى يقول إن الله في السماء .... وأن آية القصص أو آية غافر كان نصهما كذلك.
فكل هذا لو سلمنا به وافترضناه هو في المحصلة احتجاج بما نقله فرعون عن موسى عليه السلام ... أي كما لو أنك تحتج بما نقله ابن أبي سلول أو بغيره من الأفاكين والفجرة ونسبه إلى سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سبق بيانه...وهذا شنيع جدا.... ومجرد حكايته تغني عن ردّه وإبطاله..........!!!!!
ثانيا: إن وجه احتجاج الإمام الصابوني السابق لا يتم إلا إذا قُرن بمقدمة أخرى، لو اطلعتَ عليها يا أخ سلمان لوليتَ منها فرارا ولملئتَ منها رعبا ......!!!
وبيان ذلك .... انتظره فإنه خطير.
وانظر اللاحق: https://www.facebook.com/groups/202140309853552/permalink/860924347308475/
=========================
[1] انظر: https://www.facebook.com/groups/202140309853552/permalink/854058747995035/

[2] ولا أدري إذا كان الاستدلال بآيتي غافر والقصص مسألة اجتهادية كما يزعم .... فلماذا يستدلون بها على مسألة قطعية عندهم، وهي العلو الحسي ويزعمون أن منكرها كافر أو فاسق ومبتدع وجهمي ووووو..... ؟!!!!
[3] انظر تعليقه على الرابط السابق.
[4] انظر: https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/739372466176778/
**************************************************************************************
(2) متابعة المناظرة مع الأخ سلمان علي الهمامي حول الاستدلال بآيتي القصص وغافر على العلو الحسي[1]...
ثانيا: إن وجه احتجاج الإمام الصابوني ـ رحمه الله ـ السابق على العلو بآية {وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا } [غافر: 37] لا يتم إلا إذا قُرن بمقدمة أخرى، لو اطلعتَ عليها يا أخ سلمان لوليّتَ منها فرارا ولملئتَ منها رعبا ......!!!
وبيان ذلك أننا لو سلّمنا جدلا ما زعمتم من أن فرعون قَصد بقوله"وإني لأظنه من الكاذبين" أي وإني لأظن موسى كاذبا فيما أخبرني به أو في ما سمعته منه من أن له ربا في السماء.
أقول لو سلمنا بهذا فلا يلزم منه أن فرعون فِعلا سمع من موسى ذلك كما ادعى الإمام الصابوني في قوله:"وإنما قال ذلك لأنه سمع موسى عليه السلام يذكر أن ربه في السماء ".اهـ إلا بعد التسليم بمقدمة أخرى وهي أن فرعون محال عليه أن يقول "سمعتُ من موسى أن له ربا في السماء" ويكون فرعون لم يسمع منه ذلك، وإلا لكان فرعون يفتري على موسى، وهذا طعْنٌ بفرعون الصادق الأمين العدْل المنزَّه عن الكذب والافتراء ...!!!!
فإذا سلّمتم بهذه المقدمة وهي أن فرعون صادق منزَّه عن الكذب فحينئذ يتم لكم هذا الاستدلال، ويكون ما قاله الصابوني "وإنما قال ذلك لأنه سمع موسى عليه السلام يذكر أن ربه في السماء " متعيِّنا، وإلا فإن كنتم لا تسلّمون بهذه المقدمة فإنّ استدلالكم السابق لا يتم لجواز أن يكون فرعون كاذبا في قوله المفترض وهو:"إني لأظن موسى كاذبا فيما أخبرني بأن ربه في السماء" إذ قول فرعون هنا "أخبَرني" : خبرٌ من فرعون وهو محتمل للصدق والكذب، وبما أنكم جوزتم على فرعون الكذبَ فإن قوله هذا محتمل للصدق والكذب، وبالتالي فلا معنى لقول الصابوني"وإنما قال ذلك لأنه سمع موسى عليه السلام يذكر أن ربه في السماء " لاحتمال أن فرعون لم يسمع من موسى ذلك، ولكنه افترى على موسى ذلك طالما جوزتم الافتراء والكذب على فرعون.
وأما إن لم تجوزا على فرعون الكذب وجعلتموه صادقا منزَّها عن الكذب ... فهذه أم الفضائح لما يلزم منها كفرٌ بواح وردة ولا أبا بكر لها .....!!!!
إذ القول بأن فرعون كان صادقا منزها عن الكذب وإن تمَّ لكم به الاستدلالُ بآيتي القصص وغافر على العلو الحسي لله...ولكن من جهة أخرى يهدم هذا القولُ القرآنَ والدِّين برمته... بل يلزم منه تعطيل الصانع نفسه الذي تريدون أن تثبتوا له العلو الحسي.....!!!!!!
إذ بناء على القول بأن فرعون كان صادقا منزّها عن الكذب يكون فرعونُ محقا في اتهامه لموسى بالسحر والكذب كما في قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (23) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} [غافر: 23، 24] وحينئذ لم يكن فرعون يفتري على موسى ـ عليه السلام ـ لأن فرعون رجل عدْل صادق ما جُرّب عليه كذب قط....!!!!!!!
ويكون فرعون محقا أيضا في اتهامه لموسى ـ عليه السلام ـ بالجنون كما في قوله تعالى: { وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ } [الذاريات: 38، 39] لأنه ـ وبناءً على مقدمتكم السابقة التي نزهتم فيها فرعونَ عن الكذب ـ يستحيل على فرعون أن يفتري على موسى ويرميه بالجنون والسحر والكذب لو لم يعلم منه ذلك علمَ اليقين تماما كما استحال أن يفتري فرعونُ على موسى حين قال فرعون أنه سمع من موسى أن ربه في السماء، كما ادعيتم.
وأعظم مما سبق كله هو أنّ فرعون لم يكن مفتريا حين ادعى أنه الرب الأعلى، كما في قوله تعالى: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24] .... وحين ادعى أنه هو الإله الأوحد، كما في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38] فلو لم يكن فرعونُ يعلم من نفسه أنه الرب الأعلى والإله الأوحد لما ادعى ذلك وإلا لكان فرعون مفتريا، وهذا باطل؛ لأن فرعون ثبت صدقه، وإذا ثبت صدقه استحال كذبه ....!!!!!!
فهل تلزمون بهذه اللوازم يا قومنا حتى يَسلم لكم الاحتجاج بآيتي غافر والقصص على العلو الحسي لله ...؟!!!!!
فهل أبقيتم من الدّين شيئا بعد هذا .... بل هل أبقيتم لله ـ سبحانه ـ أثرا بعد أن التزمتم بهذه اللوازم ومنها أن فرعون هو الرب الأعلى والإله الأوحد .... فماذا يغني عنكم أن تثبتوا صفة العلو لله بعد أن التزمتم بأن فرعون صادقٌ في كل ما يقول حتى في ادعائه أنه الرب الأعلى والإله الأوحد....كل ذلك في سبيل أن يَسلَم لكم الاستدلال بآيتي غافر والقصص على العلو الحسي لله؟!!!!!!
وعلى فَرَض أن اللهَ بقي له شيء من الألوهية أو الربوبية فيكون فرعون أعلى منه ـ والعياذ بالله ـ لقول فرعون"أنا ربكم الأعلى" وقولُ فرعون سيكون صدْقا لا ريب فيه وفقا لمقدمتم التي نزهتم فيها فرعونَ عن الكذب....وبالتالي فإن صفة العلو ـ التي التزمتم من أجلها كل هذا الكفر البواح لتصلوا إلى إثباتها لله ـ لم تعد ثابتة لله بل لفرعون إذ صار أعلى منه لما سبق... وعليه فلا صفة العلو ـ التي حرصتم عليها ـ بقيت لله ولا بقي اللهُ أصلا بعد أن أن نزّهتم فرعون عن الكذب، وصدقتموه في كل أقواله حتى في قوله أنه هو الرب الأعلى والإله الأوحد ....!!!!!
وما مثلكم إلا كمثل مَن سهِر مع قوم فجرةٍ وكفرةٍ ومارس معهم كلَّ أنواع الفسوق والفجور وارتكب كل الموبقات والكبائرَ كافةً بحجة أن يبقى مستيقظا حتى الفجر ليدرك صلاةَ الفجر جماعة في المسجد خشية من أن تفوته فيما لو نام في بيته ولم يستيقظ لها.....!!!!!!!!!
طبعا هذا كله على التسليم بأن فرعون قَصَد بقوله: {وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [القصص: 38] أي في أن له ربا في السماء؛ وإلا فقد رجّحنا سابقا بأن مقصودَ فرعون بذلك هو: وإني لأظنه من الكاذبين في أن له إلها غيري، لأن هذا هو سياق الآية[2].
فإذا كان هذا هو الراجح فِعلا فلن ينفعكم الاستدلال بآيتي القصص وغافر حتى ولو قلتم بتنزيه فرعون عن الكذب والتزمتم بكل اللوازم السابقة الشنيعة المكفِّرة ... وصار شأنكم كالنعامة التي خرجتْ تطلب قَرنين فرجعتْ بلا أذنين !!!!
وأما إن لم تلتزموا بهذه اللوزام فواجب عليكم أن تقرّوا بأن فرعون كان أشد أفّاك وأعظمَ دجال وأكبر مفترٍ وذلك لادعائه الألوهية والربوبية ولاتهامه لموسى عليه السلام بالجنون والكذب والسحر .... وبالتالي فأنَّى لكم أن تستدلوا بخبرٍ نَقَله هذا الأفاكُ والدجالُ والمفتري الكبير ـ وهو فرعون ـ عن موسى ـ عليه السلام ـ أنه سمع منه أنه قال إن الله في السماء ....ثم تجعلونه ـ أي العلو الحسي ـ أصلا من أصول الدين تكفّرون الناسَ وتضللونهم من أجله؟!!!!
وهل إذا جاء حديثٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سنده كذاب تَقبلون خبرَه حتى لو كان في آداب الاستنجاء[3] ...؟!!! فكيف تقبلون ما أخبر به فرعونُ ـ إمام الأفاكين والدجاجلة والمفترين والكفرة والمجرمين ـ عن موسى عليه السلام من أنه قال له إن الله في السماء؟!! وهل هناك دجَلٌ وإفك أكبر من قول فرعون عن نفسه: أنا ربكم الأعلى ... وقوله: ما علمتم لكم من إله غيري.....؟!!!!
طبعا هذا كله على التسليم بأن معنى "وإني لأظنه كاذبا" أي وإني لأظن موسى كاذبا فيما أخبرني به من أن الله في السماء .... وإلا فلا نسلم ذلك وإنما معناها وإني لأظنه كاذبا في أن له إلها غيري ، كما سبق بيانه موسعا.
فإن قلتم: ... انتظره
=================================
[1] انظر السابق: https://www.facebook.com/groups/202140309853552/permalink/857048457696064/

[2] انظر: https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/739372466176778/

[3] والطريف أن كثيرا من هؤلاء السلفية والوهابية كالألباني ـ رحمه الله ـ وغيره يرفضون الاستدلال بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ... قال الألباني: " والذي أدين الله به, وأدعو الناس إليه أن الحديث الضعيف لا يعمل به مطلقاً, لا في الفضائل والمستحبات, ولا في غيرهما ". [صحيح الجامع الصغير1/45].
بل قد ألّف أحدُهم وهو الشيخ د.عبد الكريم خضير رسالة ماجستير بعنوان " الحديث الضعيف وحكم الاحتجاج به" مؤلفة من 490 ص قال في ص303 بعد أن انتهى من عرض الآراء والمناقشات في هذه المسألة : "من خلال ما تقدم يترجح الرأي الثاني وهو عدم الأخذ بالحديث الضعيف مطلقا لا في الأحكام ولا في غيرها".اهـ
وانظر للتوسع: http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=146003
قال وليد: أفيكون الحديث الضعيف مرفوضا في فضائل الأعمال ويكون خبر فرعون مقبولا في أصول العقائد؟!!!! فما هذه المفارقة العجيبة ؟!!! على الأقل: الحديث الضعيف رجالُ سندِه مسلمون... وفرعون إمام الكفرة الذي زعم أنه الإله الأوحد والرب الأعلى....!!!! وأيضا فإن الحديث الضعيف ليس في سنده كذاب، وهذا شرط من شروط الضعيف الذي قيل بأنه يُعمل به في فضائل الأعمال كما هو معلوم .... وأما فرعون فهو أكبر الأفاكين والدجالين ....فكيف يكون خبر هذا الأفاك الكبير مقبولا في أصول العقائد ...والحديث الضعيف لسوء حفظ في أحد رواته مثلا : مرفوضا ..... ؟!!!!! أفتونا في هذا يا أولي الألباب....

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق