[1] ابن تيمية والجهة العدمية.....
تمهيد.........
في الواقع إن لابن تيمية أقولا ثلاثة في إثبات لفظ الجهة لله تبارك تعالى:
الأول: أن إطلاق لفظ الجهة على الله نفيا أو إثباتا هو أمر مبتدع، وهذا قاله في إحدى جلسات محاكمته أو مناظرته للقضاة، وقد حكى هو عن نفسه في الفتاوى الكبرى (6/ 325) قوله: أما قول القائل: " الذي نطلب منه أن يعتقده أن ينفي الجهة عن الله والتحيز " فليس في كلامي إثبات لهذا اللفظ؛ لأن إطلاق هذا اللفظ نفيا وإثباتا بدعة، وأنا لا أقول إلا ما جاء به الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة.اهـ
والثاني: أن لفظ الجهة لفظ مجمل، يحتمل حقا وباطلا، فلا ينبغي أن تنفى الجهة عن الله مطلقا، ولا تثبت له مطلقا حتى يُستفصل مُطلِقها، وفي ذلك يقول وهو يتحدث عن الجهة في منهاج السنة النبوية (2/ 188):والمتبعون للسلف لا يطلقون نفيها ولا إثباتها إلا إذا تبين أن ما أثبت بها فهو ثابت وما نفى بها فهو منفى لأن المتأخرين قد صار لفظ الجهة في اصطلاحهم فيه إجمال وإبهام كغيرها من ألفاظهم الإصطلاحية فليس كلهم يستعملها في نفس معناها اللغوي ولهذا كان النفاة ينفون بها حقا وباطلا ويذكرون عن مثبتيها ما لا يقولون به وبعض المثبتين لها يدخل فيها معنى باطلا مخالفا لقول السلف ولما دل عليه الكتاب والميزان...اهـ
ثم ينتهي ابن تيمية من هذا القول الثاني إلى إثبات ما سماه بالجهة العدمية لله، فهو يقول بعد كلامه السابق مباشرة: "وذلك أن لفظ الجهة قد يراد به ما هو موجود وقد يراد به ما هو معدوم ومن المعلوم أنه لا موجود إلا الخالق والمخلوق فإذا أريد بالجهة أمر موجود غير الله كان مخلوقا والله تعالى لا يحصره ولا يحيط به شيء من المخلوقات فإنه بائن من المخلوقات وإن أريد بالجهة أمر عدمى وهو ما فوق العالم فليس هناك إلا الله وحده فإذا قيل إنه في جهة إن كان معنى الكلام أنه هناك فوق العالم حيث انتهت المخلوقات فهو فوق الجميع عال عليه"اهـ
القول الثالث: إثبات الجهة الحسية لله مطلقا، بل ادعى ابن تيمية أن هذا القول هو ما عليه الكتاب والسنة والإجماع وهو ما يقتضه العقل الصريح والفطرة السليمة؛ وهذا القول الثالث هو ما سار عليه ابن تيمية في معظم كتبه ومناظراته وردوده وهو الذي نصب فيه النزاع، فهو مثلا يقول في بيان تلبيس الجهمية (2/ 409): الوجه الثالث ان كون الرؤية مستلزمة لأن يكون الله بجهة من الرائي امر ثبت بالنصوص المتواترة..... ويقول بعد ذلك ص415 : الوجه الرابع ان كون الله يرى بجهة من الرائي ثبت باجماع السلف والأئمة .....اهـ
ويصرح في موضع آخر بأن الجهة المنسوبة التي يقصدها الجهة المخلوقة لله لا العدمية فحسب كما قد يظن بعض أتباعه، ففي معرض الرد على من يقول يلزم من ذلك افتقار كمال الله إلى جهة العلو وشرفها، يقول ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (7/ 21): "فالمقصود أنه خلق المكان وعلاه وبقوته صار عالياً والشرف الذي حصل لذلك المكان العالي منه ومن فعله وقدرته ومشيئته فإذا كان هو عالياً على ذلك وهو الخالق له، وذلك مفتقر إليه من كل وجه، وهو مستغن عنه من كل وجه فكيف يكون قد استفاد العلو منه، ويكون ذلك المكان أشرف منه؟".اهـ
قال وليد: وعلى الرغم مما في هذه الأقوال الثلاثة من اضطراب، فإنه يبدو للناظر أن ابن تيمية تدرج في إثبات لفظ الجهة لله تعالى على ثلاثة مراحل وهي بالترتيب:
المرحلة الأولى: لم يثبتها ولم ينفها، لما قاله من "أن إطلاق هذا اللفظ نفيا وإثباتا بدعة، وأنا لا أقول إلا ما جاء به الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة" كما سبق.
المرحلة الثانية: إثباته الجهة على معنى معين وهو الجهة العدمية، ونفيه للجهة المخلوقة عن الله؛ وهذا الموقف يخالف قطعا موقفه الأول، لأنه إذا تهيب في الأول من إطلاق الجهة على الله إثباتا أو نفيه بحجة أن ذلك بدعة لم يأت في الكتاب أو السنة أو إجماع السلف؛ فكان الأجدر بابن تيمية أن يتورع عن إثبات الجهة العدمية لله من باب أولى، لأن الجهة العدمية هي من بدع ابن تيمية واختراعاته التي لم يقل بها أحد من العقلاء فضلا عن تأتي في الكتاب أو السنة أو السلف.
ثم إنه من المعلوم أنه إذا انتفى الأعم انتفى الأخص من باب أولى ، فالجهة أعم من الجهة العدمية أو الوجودية ـ على حد تقسيم ابن تيمية ـ فإذا كان ابن تيمية ينفي أن يكون ورد في الكتاب أو السنة أو كلام السلف إثبات مُطلَق لفظ الجهة لله كما في قوله الأول، فمن باب أولى أن ينتفي في الكتاب والسنة وكلام السلف ثبوت الجهة العدمية التي هي أصلا من كيس ابن تيمية.
المرحلة الثالثة: وهو إثبات ابن تيمية للجهة الحسية المخلوقة لله كما سبق بيانه، وقوله هذا هو مخالف لكلا القولين في كلا المرحلتين السابقتين، إلا أن الثالث أشد مخالفة للأول من الثاني، فالأول والثالث قولان متضادان إن لم نقل متناقضين، والثاني وسط بين الأول والثالث من قولي ابن تيمية؛ فهو في قوله الأول جعل إطلاق الجهة على الله بدعة لم ترد في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام السلف، وأما في القول الثالث فجعل ثبوت الجهة لله ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، وفي الثاني جعل لفظ الجهة مجمل لينتهي إلى إثبات الجهة العدمية دون المخلوقة.
والحاصل أن ابن تيمية ربما تدرج عبر هذه المراحل الثلاثة من التهيب من إطلاق لفظ الجهة على الله نفيا أو إثباتا، إلى إثبات الجهة العدمية ونفي الجهة المخلوقة، ليصل في المرحلة الأخير من إثبات الجهة مطلقا لله حتى المخلوقة؛ وعلى الرغم من أن هذا التدرج هو التحليل المنطقي الأقرب لفهم أقوال ابن تيمية الثلاثة المضطربة في الجهة، إلا أن بعض الفضلاء وهو صديقنا العلامة أحمد زاهر سالم اعتبر أن ابن تيمية ذهب أولا إلى القول بالجهة مطلقا ثم لما اعتُرض عليه في ذلك وأُلزم بلوازم القول بالجهة ابتدع الجهة العدمية فرارا من تلك اللوازم، وقد قام صديقنا جزاه الله خيرا ببسط الكلام في هذا المقام ورد على ابن تيمية في قوله بالجهة العدمية ردا وافيا، وسوف نسوق كلام صديقنا بطوله لما فيه من نفائس، انظر اللاحق: https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/459445924169435/
=================================
[2] ابن تيمية والجهة العدمية.....*
قال صديقنا العلامة أحمد زاهر في رسالته للماجستير "قياس الأولى وأثره في فهم صفات الله بين الأشاعرة وابن تيمية":
صفة العلو والفوقية:
لقد أثبت ابن تيمية العلو وجهة الفوق لله تعالى، وأن الله فوق العرش المجيد بذاته، وأنه مباين للعالم لا يمازجه ولا يخالطه، بل هو في جهة العلو والفوق منه، والعالم أسفل منه، مستدلاً على ذلك بظواهر بعض الآيات والأحاديث، مثل قوله تعالى: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ) (1) وقوله تعالى: (وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) (2) وسؤاله صلى الله عليه وسلم للجارية: "أين الله؟ قالت: في السماء، فقال لسيدها: أعتقها فإنها مؤمنة".
__________
*انظر السابق: https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/459191590861535/
(1) - الملك:16
(2) - الأنعام:18
*************************************
وأضاف إلى هذه الأدلة النقلية أدلة عقلية، فادعى أن العلو صفة كمال للذات، وأن الموجود لابد أن يكون إما محايثاً للموجود الآخر أو مبايناً عنه، ولما كان حلول الله في خلقه محالاً فلم يبق إلا أن يكون الله بائناً منفصلاً عن خلقه في جهة من خلقه منحازاً عنهم، ليس في ذاته شيء من خلقه، ولا في خلقه شيء من ذاته، وإذا لم يكن من الجهة بد فالذي يناسب كمال الله أن يكون في أكمل وأشرف الجهات وهي جهة الفوق، لا سيما أن ذلك موافق لظواهر من الآيات والأحاديث والآثار المروية عن السلف الصالح.
فالعلو عند ابن تيمية ثابت بالعقل والنقل، أما خصوص الاستواء في العلو فهو الذي ثبت بالنقل فقط.
ولما كان ابن تيمية يثبت العلو والفوقية صفة راجعة إلى الذات نفسها، وإن كان يفيد فوقية وعلو الرتبة والمكانة، أوردت الكلام عن ذلك في فصل (صفات الأعيان).
أما أهل السنة من السلف والأشاعرة فهم يثبتون العلو صفة راجعة إلى المعنى لا إلى الذات، لأنهم ينفون عن الله المكان والجسمية وينزهونه عن مشابهة المخلوقات، ولا يفهمون من قوله تعالى: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (1) علواً في الذات ومباينة للعالم وانفصالاً بالذات، بل علو الرتبة والمكانة.
__________
(1) - الزمر:67
*********************
ولما اعترض علماء عصره عليه لقوله بالجهة التي تقتضي الجسمية وتستلزم الاحتياج والإمكان وحلول الله في العالم وهي محالات، فكر ودبر وتأمل ونظر، ثم خرج على الناس بخُلفٍ من الرأي فقال: (إن لفظ الجهة مما تنازع الناس في معناه، وهي من الألفاظ المجملة الموهمة التي يراد بها معنى حق وباطل، فقد يراد بالجهة شيء موجود غير الله، أي: أمر وجودي كالفلك الأعلى أو نفس العرش، أو نفس السموات، وقد يراد بالجهة أمر عدمي وهو ما فوق العالم، فإنه ليس وراء العالم إلا العدم المحض، فمن قال: إن الله تعالى في جهة وأراد بالجهة أمراً موجوداً فهو مخطئ، وإن أراد بالجهة الأمر العدمي وقصد أن الله فوق العالم فهو مصيب) (1).
وهذا التقسيم في الحقيقة باطل متهافت، فإن أحداً من أهل السنة لا يريد بالجهة الشيء الحاصل فيها، فلو قلت: ذهبت جهة الكعبة فإن الكعبة ليست هي نفس الجهة بل أمر حاصل في تلك الجهة، أما الجهة فهي أمر نسبي واعتباري، وليست حقيقة ثابتة لا تتبدل ولا تتغير، والجهات ست وهي الفوق والتحت واليمين والشمال والأمام والخلف، ومعنى الفوق فيما يمشي على أربع أو بطنه: ما يحاذي ظهره من فوقه، والنملة إذا مشت على سقف كان الفوق بالنسبة إليها جهة الأرض لأنه المحاذي لظهرها، ولو كان كل حادث مستديراً كالكرة لم توجد واحد من هذه الجهات لأنه لا أس* له حينئذ ولا رجل ولا يمين ولا شمال ولا ظهر ولا وجه.
فالجهة لا وجود لها في نفسها، وإنما هي معنى إضافي يلاحظ بين موجودين، فهي نسبة المكان الذي تقصده في حركتك إلى مكان ابتداء الحركة، وأصلها هو الحيز، فالحيز إنما يصير جهة إذا أضيف إلى شيء آخر متحيز، فكل ما قيل: إنه في جهة، فقد قيل: إنه في حيز مع زيادة أو إضافة (2).
إذا عرفت هذا فإن أهل السنة أبطلوا كون الله في جهة، لأنها.....انظر اللاحق: https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/460359257411435/
__________
*انظر السابق: https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/459191590861535/
(1) - منهاج السنة ج2 ص588، شرح التدمرية ص203 - 207. قال وليد: النص أعلاه فيه تصرف، فليس في المرجعين قوله "وهي من الألفاظ المجملة الموهمة التي يراد بها معنى حق وباطل"، نعم قال ذلك في مواضع أخرى منها قوله في منهاج السنة النبوية (2/ 322): لأن المتأخرين قد صار لفظ الجهة في اصطلاحهم فيه إجمال وإبهام .اهـ وقد نقلت ذلك عنه في الحالة السابقة.
* كذا، والصواب: لا رأس .
(2) - الاقتصاد ص111ـ 112، المسامرة ج 1 ص30.
============================
[3] ابن تيمية والجهة العدمية.....*
يتابع صديقنا العلامة أحمد زاهر كلامه الماتع فيقول: ...إذا عرفت هذا فإن أهل السنة أبطلوا كون الله في جهة، لأنها أمر اعتباري بين موجودين، والله تعالى قديم في الأزل، كان ولا شيء معه ولا شيء غيره، متفرداً بالوجود، فقد كان ولم تكن هناك جهة أصلاً، لأن الجهة حادثة بإحداث الإنسان ونحوه من الحيوان، والله تعالى لا تطرأ عليه الحوادث ولا تقوم به.
واستدلوا أيضاً بأن الجهات متساوية في نفسها، ولابد للاختصاص بواحدة منها من مخصص يخصص الشيء بأحد الجهات الجائزة، فالاختصاص بجهة معينة ليس بواجب لذاته بل جائز يحتاج إلى مخصص، فيكون الاختصاص فيه معنى زائداً على ذاته، وما تطرق الجواز إليه يستحيل أن يكون قديماً، وقد ثبت أن الباري تعالى قديم، وأن القِدم عبارة عن وجوب الوجود من جميع الجهات (1).
هذه شذرات من أهم أدلة أهل السنة على بطلان نسبة الجهة إلى الله، لا ما أشار إليه ابن تيمية من حلول الله في العالم، وأن ذلك مُسلّم لو كانت الجهة وجودية، فتنبه.
فهذا التقسيم والتشقيق من ابن تيمية غير مسلم، ولا ندعي أصلاً أن الجهة وجودية. فلم يبق إلا قوله: إن الجهة المراد إثباتها لله عدمية.
وعندئذ نقول: إن ابن تيمية يدعي أن الجهة يحصل بها من التمايز بين الموجودات أكثر مما يحصل بصفات المعاني كالقدرة والإرادة والعلم، فتميز الله بالجهة عن خلقه أعظم من تميزه بالعلم ونحوه من صفات المعاني، فكيف يجوز له أن يقول: إن الجهة أمر عدمي، فهل الله يتميز عن خلقه بأمر عدمي (2).
وكيف نعبر عن أمر عدمي بظرف المكان (هناك)؟ وكيف نتحدث عن أمر عدمي بنفس ما استخلصناه من أمور وجودية كالاستواء؟ ألا نتعرض بذلك لوصفه تعالى بأمرين متناقضين معاً في هذا الاستواء: الأول: كونه وجودياً ضرورة عدم أخذ ابن تيمية بالصفات السلبية المحضة، والثاني: كونه عدمياً وهو هذه الجهة التي يتحدث عنها.
__________
*انظر السابق: https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/459445924169435/
(1) - الاقتصاد ص 112ـ 113، المسامرة ج 1 ص30.
(2) - الكاشف الصغير ص 278 - 279.
****************************
وكيف يقبل ابن تيمية وصف الله بالأمر العدمي وهو الذي طالما أنكر على أهل السنة وصفهم الله بالصفات السلبية (1)؟!
ولعل ابن تيمية في إثباته الجهة ورده على النفاة بتفسيرها إلى وجودية وعدمية متأثراً* إلى حدٍ ما بابن رشد الذي صرح بإثبات الجهة في كتاب الكشف، وفرّق بينها وبين المكان (2)، كما يقول الدكتور محمد خليل هراس، ولكن ليس في كلام ابن رشد تقسيم الجهة إلى وجودية وعدمية.
وقد أقر ابن تيمية بأن لفظ الجهة لم يرد في الشرع، وإن كان في معناه -عنده- ما هو حق وباطل، وكان يجب عليه بما أنه سلفي يدعي أنه لا يقول شيئاً لم يرد في الشرع أن يتورع عن نسبة الجهة إلى الله تعالى ولكننا وجدنا في كلامه ما يكذبه في دعواه، وجدناه يصرح بإثباتها كما سبق، ويصرح بأن مباينة الله لخلقه بالجهة والمقدار أعظم من مباينتهم بالصفات ويصرح أن (كون الرب إلهاً معبوداً يستلزم أن يكون بجهة من عابده بالضرورة، وذلك أن العبادة تتضمن قصد المعبود وإرادته وتوجه القلب، ثم يقول: فلابد وأن يكون بجهة منه).
وقد رد على ذلك من قبل الإمام الغزالي رحمه الله في الاقتصاد رداً رائعاً أثناء رده على شبهة رفع الأيدي إلى السماء، قال في أثناء كلامه: (وكيف جهل من قلّت بصيرتُه ولم يلتفت إلا إلى ظاهر الجوارح والأجسام، وغفل عن أسرار القلوب واستغنائها في التعظيم عن تقدير الجهات، وظن أن الأصل ما يشار إليه بالجوارح، ولم يعرف أن المظنة الأولى للتعظيم القلب، وأن تعظيمه باعتقاد علو الرتبة، لا باعتقاد علو المكان، وأن الجوارح في ذلك خدم وأتباع يخدمون القلب على الموافقة في التعظيم بالقدر الممكن فيها، ولا يمكن في الجوارح إلا الإشارة إلى الجهات) (3).
فيكون ابن تيمية قد خلط بين حركة القلب وحركة الجوارح، مع أن حركة القلب تعقلية لا حركة في الأين (4).
ويدعي ابن تيمية .......انتظره
__________
(1) - تجديد المنهج ص 173 - 174.
*قال وليد : الصواب "متأثرٌ" بالرفع، خبر "لعل". والله أعلم
(2) - ابن تيمية السلفي ص143 - 144.
(3) - الاقتصاد ص 115ـ 116.
(4) - الكاشف الصغير ص285.
=========================================
[4] ابن تيمية والجهة العدمية.....*
قال أخي العلامة أحمد زاهر: ‘‘‘ويدعي ابن تيمية (أن العلم بأن الله فوق العالم أعظم من العلم بأنه يُرى) (1)، (وأن كون الرؤية مستلزمة لأن يكون الله بجهة من الرائي أمر ثابت بالنصوص المتواترة وإجماع السلف والأئمة) (2).
وكل ما ذكره لا نصيب له من الصدق، إنما هو محض ادعاء وافتراء، والرؤية لا تستلزم الجهة إلا إذا كانت بين جسمين، أما الله الذي ليس بجسم فلا تستلزم رؤيته أن يكون جسماً، ولأنه لو كان في جهة من الرائي لكان محصوراً محدوداً، وقد ثبت أن الله لا يحيط به شيء، بل هو بكل شيء محيط.
لقد أثبت ابن تيمية الجهة، وهو أمر مشهور عنه، واختار من بين الجهات جهة الفوق، لأنها موافقة لظواهر بعض النصوص ومتماشية مع صفة العلو، ولأن جهة العلو أشرف الجهات، ولكننا وجدنا في كلامه ما يرد عليه دعواه.
وابن تيمية لا يفهم من فوقية الله على خلقه فوقية الرتبة والمكانة والعظمة فقط، بل يضيف إليها فوقية المكان ومباينة الذات وانفصالها عن العالم بالجهة العدمية كما سبق، ويبدو أنه عجز عن أن يتصور الله موجوداً لا في جهة، لم يستطع أن يتحمل إثبات موجود ليس داخلاً في العالم ولا خارجاً عنه، فكل موجودين لابد أن يكون أحدهما محايثاً للآخر حالاً فيه أو مبايناً عنه مختصاً بجهة من الجهات المحيطة به، ولا يوجد قسم ثالث ليس بمحايث ولا مباين فإنه معلوم الفساد بصريح العقل ومخالف للفطرة وأقوال أئمة السلف (3).
ولما احتج الرازي بأن العالم كرة، فإن الكسوف القمري يرى في البلاد الشرقية في أول الليل، وفي البلاد الغربية في آخره، فلو كان الله في جهة فوق لكان أسفل بالنسبة إلى سكان الوجه الآخر، وأنه باطل (4). وبطلانه لاستلزامه النقص المحال على الله.
__________
*انظر السابق: https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/460359257411435/
(1) - بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية، ج2 ص 394.
(2) - بيان تلبيس الجهمية، ج2 ص 409 - 415.
(3) - بيان تلبيس الجهمية ج1ص 9، ودرء التعارض ج6 ص 341 - 344. وانظر في الرد عليه: الاقتصاد ص
(4) - درء التعارض ج6 ص326 - 327.
************************************
اعترض عليه ابن تيمية من وجوه، فذكر منها: أن القائلين بأن العالم كرة يقولون: إن الجهات قسمان حقيقية وإضافية، فالحقيقية هي: العلو وهو المحيط الأعلى، والسفل وهو الذي في جوف العالم، أما الإضافية فهي الجهات الست بالنسبة للحيوان وهي تتبدل وتتغير.
وبناء على ذلك ادعى أنه لا يلزم من كون الخالق فوق السماوات أن يكون تحت شيء من المخلوقات، وبيَّن ذلك في وجه آخر فقال: (وقد قال الله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) (1).
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه ما يوافق ذلك، مثل حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يقبض الله الأرض، ويطوي السماوات بيمينه، ثم يهزهن، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ وفي رواية: إنها تكون بيده مثل الكرة في يد الصبيان. وروي ما هو أقل من ذلك.
والمقصود أنه إذا كان الله أعظم وأكبر وأجل من أن يُقدِّر العباد قدره، أو تدركه أبصارهم، أو يحيطون به علماً، وأمكن أن تكون السماوات والأرض في قبضته لم يجب -والحال هذه- أن يكون تحت العالم، أو تحت شيء منه، فإن الواحد من الآدميين إذا قبض قبضة أو بندقة أو حمصة أو حبة خردل، وأحاط بها بغير ذلك، لم يجز أن يُقال: إن أحد جانبيها فوقه، لكون يده لما أحاطت بها كان منها الجانب الأسفل يلي يده من جهة سفلها، ولو قُدِّر من جعلها فوق بعضه بهذا الاعتبار، لم يكن هذا صفة نقص بل صفة كمال.
__________
(1) - الزمر: 67.
************************************
وكذلك أمثال ذلك من إحاطة المخلوق ببعض المخلوقات، كإحاطة الإنسان بما في جوفه، وإحاطة البيت بما فيه، وإحاطة السماء بما فيها من الشمس والقمر والكواكب، فإذا كانت هذه المحيطات لا يجوز أن يُقال: إنها تحت المحاط، وأن ذلك نقص، مع كون المحيط يحيط به غيره، فالعلي الأعلى المحيط بكل شيء، الذي تكون الأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه، كيف يجب أن يكون تحت شيء مما هو عالٍ عليه أو محيط به، ويكون ذلك نقصاً ممتنعاً؟!
وقد ذُكر أن بعض المشايخ سئل عن تقريب ذلك إلى العقل، فقال للسائل: إذا كان باشق كبير، وقد أمسك برجله حمصة أليس يكون ممسكاً لها في حال طيرانه، وهو فوقها ومحيط بها؟ فإذا كان مثل هذا ممكناً في المخلوق، فكيف يتعذّر في الخالق؟) (1).
ومن الواضح اعتماد ابن تيمية على دليل الكمال والنقص في الاستدلال على العلو والفوقية والرد على مخالفيه، ولذا فإن الرازي حين قال عن هذه المقدمة (جهة فوق أشرف الجهات): إنه كلام خطابي، رد عليه ابن تيمية وقال.....’’’انتظره
__________
(1) - درء التعارض ج6 ص: 339 - 340.
==================================
[5] ابن تيمية والجهة العدمية.....*
يتابع صديقنا الشيخ أحمد زاهر قائلا: ‘‘‘‘ومن الواضح اعتماد ابن تيمية على دليل الكمال والنقص في الاستدلال على العلو والفوقية والرد على مخالفيه، ولذا فإن الرازي حين قال عن هذه المقدمة (جهةُ فوق أشرفُ الجهات): إنه كلام خطابي، رد عليه ابن تيمية وقال: (ليس كذلك، وذلك لأنه قد ثبت بصريح المعقول أن الأمرين المتقابلين إذا كان أحدهما صفة كمال والآخر صفة نقص، فإن الله يوصف بالكمال منها دون النقص، فلما تقابل الموت والحياة، وُصف بالحياة دون الموت) وضرب أمثلة أخرى، ثم يقول: (ولما تقابل المباينة للعالم والمداخلة له وُصف بالمباينة دون المداخلة، وإذا كان مع المباينة لا يخلو إما أن يكون عالياً على العام أو مسامتاً له، وجب أن يُوصف بالعلو دون المسامتة، فضلاً عن السفول.
والمنازع يسلِّم أنه موصوف بعلو المكانة وعلو القهر، وعلو المكانة معناه أنه أكمل من العالم، وعلو القهر مضمونه أنه قادر على العالم، فإذا كان مبايناً للعالم، كان من تمام علوه أن يكون فوق العالم، لا محاذياً له، ولا سافلاً عنه. ولما كان العلو صفة كمال، كان ذلك من لوازم ذاته، فلا يكون مع وجود غيره إلا عالياً عليه، لا يكون قط غير عالٍ عليه) (1).
ويقول بعد ذلك: (ومن المعلوم أن جهة العلو أحق بالاختصاص، لأن الجهة العالية أشرف بالذات من السافلة. ولهذا اتفق العلماء على أن جهة السماوات أشرف من جهة الأرض، وجهة الرأس أشرف من جهة الرِّجل، فوجب اختصاصه بخير النوعين وأفضلهما، إذ اختصاصه بالناقص المرجوح ممتنع) (2).
ونحن نقول: إن الجهة والمكان لا شرف لها في ذاتها، وإنما شرفها لأمر عارض، وكم من عالٍ في مكانه سافل في مكانته، وقد بينا فيما سبق أن الجهات اعتبارية لا وجودية فلا يلزم ما ذكره ابن تيمية، نعم نحن نقر بأن السموات أفضل من الأرض لا لكونها فوقها في المكان، بل لأنها موضع لا يعصى فيه الجبار سبحانه، وليس فيها موضع قدم إلا وملك ساجد لله، ولذا قال بعض العلماء بأفضلية قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم على كل مكان.
ثم كيف تكون جهة العلو والفوق ـ وهي عدمية على رأي ابن تيمية ـ أشرف من الجهة السفلية؟ هل في الجهة العدمية شرف على غيرها؟ إن العدم لا شيء فلا يتصور أن يكون أشرف من غيره.
__________
*انظر السابق: https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/460903700690324/
(1) - درء التعارض، ج7، ص: 5 - 6.
(2) - درء التعارض، ج7، ص: 8.
******************************
وابن تيمية متجرد لنصرة مذهبه، ويعتقد أن لازم الحق حق، ولذلك حين يرد عليه من اللوازم على قضية العلو والجهة ما يستشنع يلتزمه ويستدل عليه بطريقة عجيبة، فمن اللوازم الناشئة عن القول بالعلو والجهة: أن الله تعالى (إن لم يكن لامتداده في جهة العلو نهاية، فكل نقطة فوقها أخرى، فلا شيء يُفرض فيه إلا وهو سفل، وإن كان له نهاية كان فوق طرف العلو خلاء أعلى منه، فلم يكن علواً مطلقاً) (1).
فيرد على ذلك ابن تيمية فيدعي أن غاية الكمال في العلو أن لا يكون فوق العالي شيء موجود، والله موصوف بذلك، ويستدل بحديث:" أنت الظاهر فليس فوقك شيء" (2).
ثم يقول: (الوجه الثالث: أن يقول له إخوانه الذين يقولون: إنه لا نهاية له في ذاته: قولك: «إن ما لا يتناهى فكل نقطة منها فوقها نقطة، فكل شيء منه سفل» -لا يقدح في مطلوبنا، فإن مقصودنا أن لا يكون غيره أعلى منه، بل هو عالٍ على كل موجود، ثم بعد ذلك إذا قدَّرت أنه ما منه شيء إلا وغيره منه أعلى منه، لم يقدح هذا في مقصوده ولا في كماله، فإنه لم يعل على شيء منه إلا ما هو منه لا من غيره.
وأيضاً فإن مثل هذا لابد منه، والواجب إثبات صفات الكمال بحسب الإمكان.
وأيضاً فإن مثل هذا كمال في العلو، ولا يقدح في العالي أن يكون بعضه أعلى من بعض إذا لم يكن غيره عالياً فيه.
وأيضاً فإن الناس متنازعون في صفاته: هل بعضها أفضل من بعض، مع أنها كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه؟ وهل بعض كلامه أفضل من بعض مع كمل الجميع؟
والسلف والجمهور على أن بعض كلامه أفضل من بعض، وبعض صفاته أفضل من بعض، مع كونها كلها كاملة لا نقص فيها) (3)، ويستدل على ذلك بأدلة لا تفيد مدعاه ثم يقول: (لمَ يمتنع أن يكون هو العالي مطلقاً وإن كان منه ما هو أعلى من غيره؟).
فهل رأيتَ أشنع من هذا الكلام في هذا المقام؟ إن حديث ابن تيمية عن تفضيل بعض الصفات على بعض يتناقض مع كمالها وتمامها كل المناقضة، فلا أدري كيف اتسع عقله لذلك؟! أما استدلاله على ذلك بتفضيل بعض القرآن على بعض فإن من قال ذلك من العلماء أكد أنه راجع إلى موضوع الآيات، فلا شك أن موضوع الآيات المتعلقة بالله كسورة الإخلاص أفضل من الآيات المتعلقة بأبي لهب كسورة المسد، وليس الفضل راجعاً إلى نفس الصفة القديمة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وأما استدلاله بحديث اليدين وأن الفضل باليد اليمنى والقسط باليد الأخرى مع أن كلتا يديه يمين، فهو استدلال مبني على تصور الجسمية والحيز المختص بكل يد، كما هو حال كلامه عن علو بعض الذات على بعض، والله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وهذا خوض في كيفية الصفات والذات وقد اتفقنا على تحريمه.
وابن تيمية لا يفهم من صفة قيام الله بنفسه معنى يسلب النقص عنه..... ’’’’ انتظره
__________
(1) - درء التعارض ج7 ص 10.
(2) - أخرجه مسلم 4/ 2084 وغيره عن أبي هريرة.
(3) - درء التعارض، ج7، ص: 12.
=============================
[6] ابن تيمية والجهة العدمية.....*
ويختم العلامة أحمد زاهر كلامه بقوله: "وابن تيمية لا يفهم من صفة قيام الله بنفسه معنى يسلب النقص عنه وهو استغناؤه عن المحل والمخصص، بل يفهم منه معنى وجودياً مقابلاً لقيام العرض بالجوهر مفيداً الحدود والتمايز والانفصال عن الموجودات الأخرى، ولذلك لما كان كل موجود قائماً بنفسه، أي: لذاته حد وانفصال عن الموجودات الأخرى، ترتب على ذلك اختصاصه بجهة وحيز معينين، ولما كان الله سبحانه أشرف الموجودات اختص بأشرف الجهات وهي الفوق، فإذا كان الله في جهة فهو في جهة الفوق.
وهذا الاستدلال التجسيمي قديم ذكره الإمام فخر الدين الرازي في الأربعين ورد عليه قائلاً: (إن اختصاص الجسم بالحيز والجهة قد يكون لذاته المخصوصة، فإنه لا يجب أن يكون اختصاص كل شيء بصفة لصفة أخرى).
وهذا معناه أن الجسم لم يختص بالحيز والجهة لاتصافه بصفة وجودية هي القيام بالنفس، وإنما اختص بالجهة والحيز لأن الجهة والحيز من لوازم ذاته، لا بواسطة صفة اقتضت ذلك، فما كان من ابن تيمية إلا أن ناقشه في مقصده بـ (ذاته المخصوصة) مناقشة غريبة متكلفة حمل الكلام فيها على غير وجهه، وسلك به غير طريقه، ثم بعد كلام ـ فيه من الباطل ما فيه ولا مجال لبيانه هنا ـ قال: (وكذلك إذا قلت لهم: كما لا تعقلون قائماً بنفسه إلا مختصاً بجهة وحيز، فلا تعقلون قائماً بنفسه إلا جسماً، قالوا لك: ونحن نقول بذلك**، ثم يقول: وهذه الحجة ـ وهي الاحتجاج بكون الرب قائماً بنفسه على كونه مشاراً إليه وأنه فوق العالم ـ لمَّا كانت حجة عقلية لا يمكن مدافعتها، وكانت مما ناظر به الكرَّامية لأبي إسحاق الإسفراييني، فر أبو إسحاق وغيره إلى إنكار كون الرب قائماً بنفسه بالمعنى المعقول، وقال: لا أسلِّم أنه قائم بنفسه إلا بمعنى أنه غني عن المحل، فجعل قيامه بنفسه وصفاً عدمياً لا ثبوتياً، وهذا لازم لسائرهم.
ومعلوم أن كون الشيء قائماً بنفسه أبلغ من كونه قائماً بغيره، فإذا كان العَرَض القائم بغيره يمتنع أن يكون عدمياً، فقيام الجسم بنفسه أبلغ في الامتناع، وإذا كان المخلوق قائماً بنفسه، فمعلوم أن هذه صفة كمال تميَّز بها الجسم عن العرض، فخالق الجميع كيف لا يتصف إلا بهذه الصفة الكمالية؟ بل لا يكون قائماً بنفسه ولا بغيره إلا بمعنى عدمي، فيكون المخلوق مختصّا بصفة موجودة كمالية، والخالق لا يتصف إلا بالأمر العدمي، فيكون المخلوق متصفاً بصفة كمال وجودية، والخالق مختصّا بالأمر العدمي، والعدم لا يكون قط صفة كمال إلا إذا تضمن أمراً وجودياً، فما ليس بوجودٍ ولا كمال في الوجود فليس بكمال، فإن لم يكن القيام بالنفس متضمناً لأمر وجودي، بل لا معنى له إلا العدم المحض، لم يكن صفة كمال، وعدم افتقاره إلى الغير أمر عدمي***، والعدمي إن لم يتضمن صفة ثبوتية لم يكن صفة كمال، والعدم المحض لا يفتقر إلى محل، وكل صفة لا يشاركه فيها المعدوم لم تكن صفة كمال.) (1)
وحاصل كلامه: أن القيام بالنفس صفة وجودية تميز بها الجسم عن العرض وكان بها أكمل منه، فكيف يدعي الأشاعرة أن القيام بالنفس صفة سلبية مع أنها وجودية؟ وكيف لا يتصف الله بها إذا كانت وجودية مع أنه أحق بالكمال من المخلوقين؟
ونحن نقول: إن الكمال قد يحصل بالأمر العدمي المستلزم للأمر الوجودي، وقد قدمنا أن وصف أهل السنة بالصفات السلبية لا يقتصر على العدم المحض بل يصفونه بالصفات السلبية المستلزمة للكمالات الوجودية، وبيَّنا أن السلب في بعض المراتب قد يكون كمالاً في فصل (قياس الأولى عند ابن تميمة) فليراجع ثمَّة.
ونقول: إننا لا نسلم أن قيام الجسم بنفسه أمر وجودي أصلاً، فلا يلزم ما قاله ابن تيمية تبعاً للكرامية. والله أعلم"
__________
*انظر السابق: https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/461541907293170/
(1) - الأربعين ج1 ص 162، درء التعارض، ج6، ص:351 - 352.
** قال وليد: أرأيتم كيف أن ابن تيمية لم يستطع عقله أن يتخيل ولو للحظة أن الله ليس بجسم ذي أبعاد وجهة وحد، فهو يوافق هؤلاء المجسمة الذين يتقمص شخصيتهم وينقل قولهم هذا ـ وهم في الواقع شخصية مفترضة، دائما يوري بها ابن تيمية عن قوله هو، ليتمكن من التهرب والقول بأني ليست إلا ناقل ـ وهو أنه يستحيل أن يكون الله ليس بجسم، وليس هذا فحسب بل يجب ـ عند ابن تيمية ـ على الله أن يتصف بصفات الجسم وهو الجهة والتحيز، بل هذا من كمال الله عند ابن تيمية...!!! تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .....!!!!! وقد شرحت ذلك في تعليقاتي على الحالة الرابعة على https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/460903700690324/
***قال وليد: تأملوا هذه المغالطة من ابن تيمية "عدم افتقاره (أي الله) إلى الغير أمر عدمي"، أي أنه يزعم: أن كون الله غير مفتقر لشيء.... هو صفة عدمية وليست كمال عند ابن تيمية .....!!!! إذن كيف وصف الله تعالى نفسه بانه الغني في آيات كثيرة، فقال مثلا: { إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [لقمان: 26]، وهل الغنى إلا الاستغاء عن الخلق وعدم الافتقار إليهم؟!!
ثم إذا كان عدم افتقاره تعالى إلى الخلق ليس كمالا له كما يزعم ابن تيمية، فهل العكس ـ وهو افتقاره تعالى إلى الخلق ـ هو صفة كمال لله؛ والعياذ بالله ؟!!! إذن لمَ أنكر تعالى على اليهود قولهم : {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [آل عمران: 181]؟! ولم أثبت الله عكس هذا القول فقال في موضع آخر: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ} [محمد: 38]؟!
ولم نزّه تعالى نفسه عن الافتقار إلى الولد أو الوالد أو الزوجة كما زعم النصارى فقال: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [يونس: 68]، وقال : {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 3، 4]، وقال: { بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [الأنعام: 101]، وقال: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا} [الجن: 3]؟!!!
ولمَ نزه نفسه عز وجل عن الاحتياج لخلقه كافة فقال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ } [الذاريات: 56 - 58]؟!!!
ولم أخبر عز وجل عن غناه عن عبادتهم أجمعين، فقال : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97]، وقال: {وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} [إبراهيم: 8].
ولم أخبر تعالى بأن عبادات عباده هي في واقع الأمر تعود فائدتها إليهم لا إليه تعالى فهو مستغن عنها ، حيث قال تعالى: { مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ } [الروم: 44]، وقال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46]؟!!!
وفي الحديث القدسي عند مسلم : " يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ......يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر...." الحديث.
فهل يقال بعد كل هذه الآيات والأحاديث التي وصف الله نفسه بالغنى عن خلقه وأنه تعالى غير مفتقر إليهم ولا إلى عباداتهم ولا إلى رزقهم ووووو ....بل هو الغني المطلق وهو رازقهم وخالقهم، وهو من هداهم إلى الإيمان به ثم وفقهم إلى عبادته، ثم يجزل ثوابه لهم عليها، مع غناه عنها وعنهم، وهذا من تمام غناه وكرمه تعالى كما روي في الحديث:"اغدوا يا معشر المسلمين إلى رب كريم يمنُّ بالخير ثم يثيب عليه الجزيل" أخرجه الطبراني وفيه ضعف ولكن معناه صحيح، فهل يقال بعد كل هذا إنّ غناه تعالى وعدم افتقاره إلى خلقه هو صفة عدمية لا كمال فيها كما يزعم ابن تيمية؟!!!!!!
فإن قيل: إن عدم افتقاره إلى الولد والوالد والزوجة وسائر الخلق، هو وإن كان وصفا عدميا، ولكنه يتضمن كمالا، وهو أن الله غني عن المعين والناصر والرازق ونحو ذلك، ولا شك أن هذه صفة كمال، والصفة العدمية إذا تضمنت كمالا فلا خلاف في جواز بل في وجوب اتصاف الله بها، وهذا بخلاف قول الأشاعرة في وصف الله بأنه لا في جهة أو أنه تعالى غير مفتقر إلى محل أو جهة؛ فهذا وصف عدمي محض لا يستتبع كمالا بل العكس هو الكمال.
قلنا: من قال بأن عدم افتقار الله إلى جهة أو محل يقوم به لا يتضمن كمالا؟!!! بل إن استغناء الله عن المكان وتنزهه عن الجهة لَهُو الغنى والكمال المطلق في أبهى وأجلى صوره، وذلك لأن الخَلْق كلَّهم يحتاجون إما إلى مكان أو جهة يشغلونها إذا كانوا أجساما، وإما إلى محل أو جسم يحلون فيه إذا كانوا أعراضا، والله ليس كمثله شيء، وبالتالي فهو غير محتاج إلى جهة أو مكان يشغله، ولا إلى محل أو جسم يقوم به ـ وهذا معنى قيامه تعالى بالنفس ـ وإلا كان مثل خلقه في الافتقار، تعالى عن ذلك.
ثم إن الله موجود قبل خلق الزمان والمكان، ولو كان محتاجا لمكان يشغله أو محل يقوم به لكان حادثا حدوثَ الجسم أو المكان، فثبت أن كماله تعالى في غناه عن المكان والجهة والمحل، لا كما زعم ابن تيمية أن كماله هو في افتقاره إلى المكان والجهة والمحل. ولكن ـ طبعا ـ ابن تيمية ـ غفر الله لنا وله ـ ماهر في التلاعب بالألفاظ ـ وللأسف ـ فهو عبّر عن الافتقار بالصفة، أي أنه بدل أن يقول: إن الله مفتقر إلى مكان وجهة ومحل، قال ما حاصله : مِن كمال الله أن يتصف بالجهة والمكان والمحل لأنه ـ حسب زعمه ـ بما أنه من كمال الجسم أن يتصف بالجهة فمن باب أولى أن يتصف الله بذلك......!!!!
وهذه مغالطة مكشوفة فإن تحيّز الجسم في جهة هو صفة نفسية للجسم، وأما الله فصفته النفسية هي الوجود المنزه عن الزمان والمكان، ووجوده تعالى غير وجود مخلوقاته، وابن تيمية يخلط بين الصفة النفسية للجسم والصفة النفسية لله، لأنه يعتبر أن الله جسم ينطبق عليه ما ينطبق على الأجسام، ويستحيل عقلا عنده أن لا يكون كذلك، كما في النص أعلاه، ثم هو يخلط أيضا بين وجوده تعالى ووجوده مخلوقاته بل إنه يقيس وجود الله على وجود الأجسام بجامع أن الكل مفتقر إلى مكان، وهذا أمر باطل قطعا، ولهذا الكلام شرح مستقل يأتي لا حقا بإذن الله.
فإن قال ابن تيمية: إن الله غني عن الجهة المخلوقة، وأما الجهة العدمية فاتصافه به من كماله.
قلنا: إذا كان الله غنيا عن الجهة المخلوقة فمن باب أولى أن يكون غنيا عن الجهة العدمية، فإن زيدا من الناس مثلا إن استغى عن عَمرٍ في حياته فمن باب أولى أن يستغني عنه في موته .
ثم أليس وصفُ ابنِ تيمية لله بالجهة العدمية ينطبق عليه قول ابن تيمية نفسه: "والعدمي إن لم يتضمن صفة ثبوتية لم يكن صفة كمال"، فأيُّ كمالٍ يتضمنه وصف ابن تيمية لله بالجهة العدمية؟!! وإذا آل أمر ابن تيمية إلى هنا أليس كان الأولى به أن ينزه الله عن مطلق الجهة سواء كانت مخلوقة أم عدمية، هذا على التسليم بهذا التقسيم للجهة؟!!!
وأي معنى بقي لإنكار ابن تيمية على الأشاعرة لأنهم يصفون الله بعدم تحيزه في جهة أو مكان، بحجة أن هذا وصف لله بالعدم إذا كان ابن تيمية نفسه يصف الله بالجهة العدمية؟ فهل وصفه هذا بالجهة العدمية وصف وجودي أم عدمي؟
الجواب: إنه لا يخلو إما أن تكون الجهة العدمية موجودة أو معدومة؛ فإن كانت معدومة فهذا وصف لله بالعدم وهو عين ما أنكره ابن تيمية على الأشاعرة، ثم إن كانت معدومة فكيف يزعم أنه يشار إليها باليد وأنها في جهة فوق، فهل العدم يشار إليه، وهل العدم يوصف بأنه فوق أو تحت أو شمال أو ..... ؟
وإن كانت الجهة العدمية موجودة:
فأولا: هذا تناقض!! فكيف هي عدمية وموجودة في الوقت نفسه، إن أحسن أحوال العدمي هو أن يكون من قبيل الحال والأمر الاعتباري الذي هو وسط بين الوجود والعدم، هذا عند المتكلمين القائلين بالحال أصلا، وإلا فقد نفاه الفخر الرازي وغيره، بل إن ابن تيمية أقر بأن الأمر العدمي لا وجود له فقال في مجموع الفتاوى (5/ 378): وهي أمر عدمي لا وجودي.اهـ
ثانيا: إن كان الجهة العدمية موجودة فمن أوجدها؟ لا يخلو إما أن يكون الله أوجدها وخلقها فهي إذن جهة مخلوقة، وابن تيمية ينزه الله عن الجهة المخلوقة.
وإما أن تكون الجهة العدمية موجودة بذاتها ولم يخلقها الله فهي إذن أزلية مع الله، وهذا باطل لأن الله هو وحده الأزلي لا شريك له في ذلك، وهو تعالى خالق كل شيء كما قال تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62]. فماذا بقي لابن تيمية بعد هذا كله؟!!!
كتبه وليد ابن الصلاح
تمهيد.........
في الواقع إن لابن تيمية أقولا ثلاثة في إثبات لفظ الجهة لله تبارك تعالى:
الأول: أن إطلاق لفظ الجهة على الله نفيا أو إثباتا هو أمر مبتدع، وهذا قاله في إحدى جلسات محاكمته أو مناظرته للقضاة، وقد حكى هو عن نفسه في الفتاوى الكبرى (6/ 325) قوله: أما قول القائل: " الذي نطلب منه أن يعتقده أن ينفي الجهة عن الله والتحيز " فليس في كلامي إثبات لهذا اللفظ؛ لأن إطلاق هذا اللفظ نفيا وإثباتا بدعة، وأنا لا أقول إلا ما جاء به الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة.اهـ
والثاني: أن لفظ الجهة لفظ مجمل، يحتمل حقا وباطلا، فلا ينبغي أن تنفى الجهة عن الله مطلقا، ولا تثبت له مطلقا حتى يُستفصل مُطلِقها، وفي ذلك يقول وهو يتحدث عن الجهة في منهاج السنة النبوية (2/ 188):والمتبعون للسلف لا يطلقون نفيها ولا إثباتها إلا إذا تبين أن ما أثبت بها فهو ثابت وما نفى بها فهو منفى لأن المتأخرين قد صار لفظ الجهة في اصطلاحهم فيه إجمال وإبهام كغيرها من ألفاظهم الإصطلاحية فليس كلهم يستعملها في نفس معناها اللغوي ولهذا كان النفاة ينفون بها حقا وباطلا ويذكرون عن مثبتيها ما لا يقولون به وبعض المثبتين لها يدخل فيها معنى باطلا مخالفا لقول السلف ولما دل عليه الكتاب والميزان...اهـ
ثم ينتهي ابن تيمية من هذا القول الثاني إلى إثبات ما سماه بالجهة العدمية لله، فهو يقول بعد كلامه السابق مباشرة: "وذلك أن لفظ الجهة قد يراد به ما هو موجود وقد يراد به ما هو معدوم ومن المعلوم أنه لا موجود إلا الخالق والمخلوق فإذا أريد بالجهة أمر موجود غير الله كان مخلوقا والله تعالى لا يحصره ولا يحيط به شيء من المخلوقات فإنه بائن من المخلوقات وإن أريد بالجهة أمر عدمى وهو ما فوق العالم فليس هناك إلا الله وحده فإذا قيل إنه في جهة إن كان معنى الكلام أنه هناك فوق العالم حيث انتهت المخلوقات فهو فوق الجميع عال عليه"اهـ
القول الثالث: إثبات الجهة الحسية لله مطلقا، بل ادعى ابن تيمية أن هذا القول هو ما عليه الكتاب والسنة والإجماع وهو ما يقتضه العقل الصريح والفطرة السليمة؛ وهذا القول الثالث هو ما سار عليه ابن تيمية في معظم كتبه ومناظراته وردوده وهو الذي نصب فيه النزاع، فهو مثلا يقول في بيان تلبيس الجهمية (2/ 409): الوجه الثالث ان كون الرؤية مستلزمة لأن يكون الله بجهة من الرائي امر ثبت بالنصوص المتواترة..... ويقول بعد ذلك ص415 : الوجه الرابع ان كون الله يرى بجهة من الرائي ثبت باجماع السلف والأئمة .....اهـ
ويصرح في موضع آخر بأن الجهة المنسوبة التي يقصدها الجهة المخلوقة لله لا العدمية فحسب كما قد يظن بعض أتباعه، ففي معرض الرد على من يقول يلزم من ذلك افتقار كمال الله إلى جهة العلو وشرفها، يقول ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (7/ 21): "فالمقصود أنه خلق المكان وعلاه وبقوته صار عالياً والشرف الذي حصل لذلك المكان العالي منه ومن فعله وقدرته ومشيئته فإذا كان هو عالياً على ذلك وهو الخالق له، وذلك مفتقر إليه من كل وجه، وهو مستغن عنه من كل وجه فكيف يكون قد استفاد العلو منه، ويكون ذلك المكان أشرف منه؟".اهـ
قال وليد: وعلى الرغم مما في هذه الأقوال الثلاثة من اضطراب، فإنه يبدو للناظر أن ابن تيمية تدرج في إثبات لفظ الجهة لله تعالى على ثلاثة مراحل وهي بالترتيب:
المرحلة الأولى: لم يثبتها ولم ينفها، لما قاله من "أن إطلاق هذا اللفظ نفيا وإثباتا بدعة، وأنا لا أقول إلا ما جاء به الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة" كما سبق.
المرحلة الثانية: إثباته الجهة على معنى معين وهو الجهة العدمية، ونفيه للجهة المخلوقة عن الله؛ وهذا الموقف يخالف قطعا موقفه الأول، لأنه إذا تهيب في الأول من إطلاق الجهة على الله إثباتا أو نفيه بحجة أن ذلك بدعة لم يأت في الكتاب أو السنة أو إجماع السلف؛ فكان الأجدر بابن تيمية أن يتورع عن إثبات الجهة العدمية لله من باب أولى، لأن الجهة العدمية هي من بدع ابن تيمية واختراعاته التي لم يقل بها أحد من العقلاء فضلا عن تأتي في الكتاب أو السنة أو السلف.
ثم إنه من المعلوم أنه إذا انتفى الأعم انتفى الأخص من باب أولى ، فالجهة أعم من الجهة العدمية أو الوجودية ـ على حد تقسيم ابن تيمية ـ فإذا كان ابن تيمية ينفي أن يكون ورد في الكتاب أو السنة أو كلام السلف إثبات مُطلَق لفظ الجهة لله كما في قوله الأول، فمن باب أولى أن ينتفي في الكتاب والسنة وكلام السلف ثبوت الجهة العدمية التي هي أصلا من كيس ابن تيمية.
المرحلة الثالثة: وهو إثبات ابن تيمية للجهة الحسية المخلوقة لله كما سبق بيانه، وقوله هذا هو مخالف لكلا القولين في كلا المرحلتين السابقتين، إلا أن الثالث أشد مخالفة للأول من الثاني، فالأول والثالث قولان متضادان إن لم نقل متناقضين، والثاني وسط بين الأول والثالث من قولي ابن تيمية؛ فهو في قوله الأول جعل إطلاق الجهة على الله بدعة لم ترد في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام السلف، وأما في القول الثالث فجعل ثبوت الجهة لله ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، وفي الثاني جعل لفظ الجهة مجمل لينتهي إلى إثبات الجهة العدمية دون المخلوقة.
والحاصل أن ابن تيمية ربما تدرج عبر هذه المراحل الثلاثة من التهيب من إطلاق لفظ الجهة على الله نفيا أو إثباتا، إلى إثبات الجهة العدمية ونفي الجهة المخلوقة، ليصل في المرحلة الأخير من إثبات الجهة مطلقا لله حتى المخلوقة؛ وعلى الرغم من أن هذا التدرج هو التحليل المنطقي الأقرب لفهم أقوال ابن تيمية الثلاثة المضطربة في الجهة، إلا أن بعض الفضلاء وهو صديقنا العلامة أحمد زاهر سالم اعتبر أن ابن تيمية ذهب أولا إلى القول بالجهة مطلقا ثم لما اعتُرض عليه في ذلك وأُلزم بلوازم القول بالجهة ابتدع الجهة العدمية فرارا من تلك اللوازم، وقد قام صديقنا جزاه الله خيرا ببسط الكلام في هذا المقام ورد على ابن تيمية في قوله بالجهة العدمية ردا وافيا، وسوف نسوق كلام صديقنا بطوله لما فيه من نفائس، انظر اللاحق: https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/459445924169435/
=================================
[2] ابن تيمية والجهة العدمية.....*
قال صديقنا العلامة أحمد زاهر في رسالته للماجستير "قياس الأولى وأثره في فهم صفات الله بين الأشاعرة وابن تيمية":
صفة العلو والفوقية:
لقد أثبت ابن تيمية العلو وجهة الفوق لله تعالى، وأن الله فوق العرش المجيد بذاته، وأنه مباين للعالم لا يمازجه ولا يخالطه، بل هو في جهة العلو والفوق منه، والعالم أسفل منه، مستدلاً على ذلك بظواهر بعض الآيات والأحاديث، مثل قوله تعالى: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ) (1) وقوله تعالى: (وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) (2) وسؤاله صلى الله عليه وسلم للجارية: "أين الله؟ قالت: في السماء، فقال لسيدها: أعتقها فإنها مؤمنة".
__________
*انظر السابق: https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/459191590861535/
(1) - الملك:16
(2) - الأنعام:18
*************************************
وأضاف إلى هذه الأدلة النقلية أدلة عقلية، فادعى أن العلو صفة كمال للذات، وأن الموجود لابد أن يكون إما محايثاً للموجود الآخر أو مبايناً عنه، ولما كان حلول الله في خلقه محالاً فلم يبق إلا أن يكون الله بائناً منفصلاً عن خلقه في جهة من خلقه منحازاً عنهم، ليس في ذاته شيء من خلقه، ولا في خلقه شيء من ذاته، وإذا لم يكن من الجهة بد فالذي يناسب كمال الله أن يكون في أكمل وأشرف الجهات وهي جهة الفوق، لا سيما أن ذلك موافق لظواهر من الآيات والأحاديث والآثار المروية عن السلف الصالح.
فالعلو عند ابن تيمية ثابت بالعقل والنقل، أما خصوص الاستواء في العلو فهو الذي ثبت بالنقل فقط.
ولما كان ابن تيمية يثبت العلو والفوقية صفة راجعة إلى الذات نفسها، وإن كان يفيد فوقية وعلو الرتبة والمكانة، أوردت الكلام عن ذلك في فصل (صفات الأعيان).
أما أهل السنة من السلف والأشاعرة فهم يثبتون العلو صفة راجعة إلى المعنى لا إلى الذات، لأنهم ينفون عن الله المكان والجسمية وينزهونه عن مشابهة المخلوقات، ولا يفهمون من قوله تعالى: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (1) علواً في الذات ومباينة للعالم وانفصالاً بالذات، بل علو الرتبة والمكانة.
__________
(1) - الزمر:67
*********************
ولما اعترض علماء عصره عليه لقوله بالجهة التي تقتضي الجسمية وتستلزم الاحتياج والإمكان وحلول الله في العالم وهي محالات، فكر ودبر وتأمل ونظر، ثم خرج على الناس بخُلفٍ من الرأي فقال: (إن لفظ الجهة مما تنازع الناس في معناه، وهي من الألفاظ المجملة الموهمة التي يراد بها معنى حق وباطل، فقد يراد بالجهة شيء موجود غير الله، أي: أمر وجودي كالفلك الأعلى أو نفس العرش، أو نفس السموات، وقد يراد بالجهة أمر عدمي وهو ما فوق العالم، فإنه ليس وراء العالم إلا العدم المحض، فمن قال: إن الله تعالى في جهة وأراد بالجهة أمراً موجوداً فهو مخطئ، وإن أراد بالجهة الأمر العدمي وقصد أن الله فوق العالم فهو مصيب) (1).
وهذا التقسيم في الحقيقة باطل متهافت، فإن أحداً من أهل السنة لا يريد بالجهة الشيء الحاصل فيها، فلو قلت: ذهبت جهة الكعبة فإن الكعبة ليست هي نفس الجهة بل أمر حاصل في تلك الجهة، أما الجهة فهي أمر نسبي واعتباري، وليست حقيقة ثابتة لا تتبدل ولا تتغير، والجهات ست وهي الفوق والتحت واليمين والشمال والأمام والخلف، ومعنى الفوق فيما يمشي على أربع أو بطنه: ما يحاذي ظهره من فوقه، والنملة إذا مشت على سقف كان الفوق بالنسبة إليها جهة الأرض لأنه المحاذي لظهرها، ولو كان كل حادث مستديراً كالكرة لم توجد واحد من هذه الجهات لأنه لا أس* له حينئذ ولا رجل ولا يمين ولا شمال ولا ظهر ولا وجه.
فالجهة لا وجود لها في نفسها، وإنما هي معنى إضافي يلاحظ بين موجودين، فهي نسبة المكان الذي تقصده في حركتك إلى مكان ابتداء الحركة، وأصلها هو الحيز، فالحيز إنما يصير جهة إذا أضيف إلى شيء آخر متحيز، فكل ما قيل: إنه في جهة، فقد قيل: إنه في حيز مع زيادة أو إضافة (2).
إذا عرفت هذا فإن أهل السنة أبطلوا كون الله في جهة، لأنها.....انظر اللاحق: https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/460359257411435/
__________
*انظر السابق: https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/459191590861535/
(1) - منهاج السنة ج2 ص588، شرح التدمرية ص203 - 207. قال وليد: النص أعلاه فيه تصرف، فليس في المرجعين قوله "وهي من الألفاظ المجملة الموهمة التي يراد بها معنى حق وباطل"، نعم قال ذلك في مواضع أخرى منها قوله في منهاج السنة النبوية (2/ 322): لأن المتأخرين قد صار لفظ الجهة في اصطلاحهم فيه إجمال وإبهام .اهـ وقد نقلت ذلك عنه في الحالة السابقة.
* كذا، والصواب: لا رأس .
(2) - الاقتصاد ص111ـ 112، المسامرة ج 1 ص30.
============================
[3] ابن تيمية والجهة العدمية.....*
يتابع صديقنا العلامة أحمد زاهر كلامه الماتع فيقول: ...إذا عرفت هذا فإن أهل السنة أبطلوا كون الله في جهة، لأنها أمر اعتباري بين موجودين، والله تعالى قديم في الأزل، كان ولا شيء معه ولا شيء غيره، متفرداً بالوجود، فقد كان ولم تكن هناك جهة أصلاً، لأن الجهة حادثة بإحداث الإنسان ونحوه من الحيوان، والله تعالى لا تطرأ عليه الحوادث ولا تقوم به.
واستدلوا أيضاً بأن الجهات متساوية في نفسها، ولابد للاختصاص بواحدة منها من مخصص يخصص الشيء بأحد الجهات الجائزة، فالاختصاص بجهة معينة ليس بواجب لذاته بل جائز يحتاج إلى مخصص، فيكون الاختصاص فيه معنى زائداً على ذاته، وما تطرق الجواز إليه يستحيل أن يكون قديماً، وقد ثبت أن الباري تعالى قديم، وأن القِدم عبارة عن وجوب الوجود من جميع الجهات (1).
هذه شذرات من أهم أدلة أهل السنة على بطلان نسبة الجهة إلى الله، لا ما أشار إليه ابن تيمية من حلول الله في العالم، وأن ذلك مُسلّم لو كانت الجهة وجودية، فتنبه.
فهذا التقسيم والتشقيق من ابن تيمية غير مسلم، ولا ندعي أصلاً أن الجهة وجودية. فلم يبق إلا قوله: إن الجهة المراد إثباتها لله عدمية.
وعندئذ نقول: إن ابن تيمية يدعي أن الجهة يحصل بها من التمايز بين الموجودات أكثر مما يحصل بصفات المعاني كالقدرة والإرادة والعلم، فتميز الله بالجهة عن خلقه أعظم من تميزه بالعلم ونحوه من صفات المعاني، فكيف يجوز له أن يقول: إن الجهة أمر عدمي، فهل الله يتميز عن خلقه بأمر عدمي (2).
وكيف نعبر عن أمر عدمي بظرف المكان (هناك)؟ وكيف نتحدث عن أمر عدمي بنفس ما استخلصناه من أمور وجودية كالاستواء؟ ألا نتعرض بذلك لوصفه تعالى بأمرين متناقضين معاً في هذا الاستواء: الأول: كونه وجودياً ضرورة عدم أخذ ابن تيمية بالصفات السلبية المحضة، والثاني: كونه عدمياً وهو هذه الجهة التي يتحدث عنها.
__________
*انظر السابق: https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/459445924169435/
(1) - الاقتصاد ص 112ـ 113، المسامرة ج 1 ص30.
(2) - الكاشف الصغير ص 278 - 279.
****************************
وكيف يقبل ابن تيمية وصف الله بالأمر العدمي وهو الذي طالما أنكر على أهل السنة وصفهم الله بالصفات السلبية (1)؟!
ولعل ابن تيمية في إثباته الجهة ورده على النفاة بتفسيرها إلى وجودية وعدمية متأثراً* إلى حدٍ ما بابن رشد الذي صرح بإثبات الجهة في كتاب الكشف، وفرّق بينها وبين المكان (2)، كما يقول الدكتور محمد خليل هراس، ولكن ليس في كلام ابن رشد تقسيم الجهة إلى وجودية وعدمية.
وقد أقر ابن تيمية بأن لفظ الجهة لم يرد في الشرع، وإن كان في معناه -عنده- ما هو حق وباطل، وكان يجب عليه بما أنه سلفي يدعي أنه لا يقول شيئاً لم يرد في الشرع أن يتورع عن نسبة الجهة إلى الله تعالى ولكننا وجدنا في كلامه ما يكذبه في دعواه، وجدناه يصرح بإثباتها كما سبق، ويصرح بأن مباينة الله لخلقه بالجهة والمقدار أعظم من مباينتهم بالصفات ويصرح أن (كون الرب إلهاً معبوداً يستلزم أن يكون بجهة من عابده بالضرورة، وذلك أن العبادة تتضمن قصد المعبود وإرادته وتوجه القلب، ثم يقول: فلابد وأن يكون بجهة منه).
وقد رد على ذلك من قبل الإمام الغزالي رحمه الله في الاقتصاد رداً رائعاً أثناء رده على شبهة رفع الأيدي إلى السماء، قال في أثناء كلامه: (وكيف جهل من قلّت بصيرتُه ولم يلتفت إلا إلى ظاهر الجوارح والأجسام، وغفل عن أسرار القلوب واستغنائها في التعظيم عن تقدير الجهات، وظن أن الأصل ما يشار إليه بالجوارح، ولم يعرف أن المظنة الأولى للتعظيم القلب، وأن تعظيمه باعتقاد علو الرتبة، لا باعتقاد علو المكان، وأن الجوارح في ذلك خدم وأتباع يخدمون القلب على الموافقة في التعظيم بالقدر الممكن فيها، ولا يمكن في الجوارح إلا الإشارة إلى الجهات) (3).
فيكون ابن تيمية قد خلط بين حركة القلب وحركة الجوارح، مع أن حركة القلب تعقلية لا حركة في الأين (4).
ويدعي ابن تيمية .......انتظره
__________
(1) - تجديد المنهج ص 173 - 174.
*قال وليد : الصواب "متأثرٌ" بالرفع، خبر "لعل". والله أعلم
(2) - ابن تيمية السلفي ص143 - 144.
(3) - الاقتصاد ص 115ـ 116.
(4) - الكاشف الصغير ص285.
=========================================
[4] ابن تيمية والجهة العدمية.....*
قال أخي العلامة أحمد زاهر: ‘‘‘ويدعي ابن تيمية (أن العلم بأن الله فوق العالم أعظم من العلم بأنه يُرى) (1)، (وأن كون الرؤية مستلزمة لأن يكون الله بجهة من الرائي أمر ثابت بالنصوص المتواترة وإجماع السلف والأئمة) (2).
وكل ما ذكره لا نصيب له من الصدق، إنما هو محض ادعاء وافتراء، والرؤية لا تستلزم الجهة إلا إذا كانت بين جسمين، أما الله الذي ليس بجسم فلا تستلزم رؤيته أن يكون جسماً، ولأنه لو كان في جهة من الرائي لكان محصوراً محدوداً، وقد ثبت أن الله لا يحيط به شيء، بل هو بكل شيء محيط.
لقد أثبت ابن تيمية الجهة، وهو أمر مشهور عنه، واختار من بين الجهات جهة الفوق، لأنها موافقة لظواهر بعض النصوص ومتماشية مع صفة العلو، ولأن جهة العلو أشرف الجهات، ولكننا وجدنا في كلامه ما يرد عليه دعواه.
وابن تيمية لا يفهم من فوقية الله على خلقه فوقية الرتبة والمكانة والعظمة فقط، بل يضيف إليها فوقية المكان ومباينة الذات وانفصالها عن العالم بالجهة العدمية كما سبق، ويبدو أنه عجز عن أن يتصور الله موجوداً لا في جهة، لم يستطع أن يتحمل إثبات موجود ليس داخلاً في العالم ولا خارجاً عنه، فكل موجودين لابد أن يكون أحدهما محايثاً للآخر حالاً فيه أو مبايناً عنه مختصاً بجهة من الجهات المحيطة به، ولا يوجد قسم ثالث ليس بمحايث ولا مباين فإنه معلوم الفساد بصريح العقل ومخالف للفطرة وأقوال أئمة السلف (3).
ولما احتج الرازي بأن العالم كرة، فإن الكسوف القمري يرى في البلاد الشرقية في أول الليل، وفي البلاد الغربية في آخره، فلو كان الله في جهة فوق لكان أسفل بالنسبة إلى سكان الوجه الآخر، وأنه باطل (4). وبطلانه لاستلزامه النقص المحال على الله.
__________
*انظر السابق: https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/460359257411435/
(1) - بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية، ج2 ص 394.
(2) - بيان تلبيس الجهمية، ج2 ص 409 - 415.
(3) - بيان تلبيس الجهمية ج1ص 9، ودرء التعارض ج6 ص 341 - 344. وانظر في الرد عليه: الاقتصاد ص
(4) - درء التعارض ج6 ص326 - 327.
************************************
اعترض عليه ابن تيمية من وجوه، فذكر منها: أن القائلين بأن العالم كرة يقولون: إن الجهات قسمان حقيقية وإضافية، فالحقيقية هي: العلو وهو المحيط الأعلى، والسفل وهو الذي في جوف العالم، أما الإضافية فهي الجهات الست بالنسبة للحيوان وهي تتبدل وتتغير.
وبناء على ذلك ادعى أنه لا يلزم من كون الخالق فوق السماوات أن يكون تحت شيء من المخلوقات، وبيَّن ذلك في وجه آخر فقال: (وقد قال الله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) (1).
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه ما يوافق ذلك، مثل حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يقبض الله الأرض، ويطوي السماوات بيمينه، ثم يهزهن، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ وفي رواية: إنها تكون بيده مثل الكرة في يد الصبيان. وروي ما هو أقل من ذلك.
والمقصود أنه إذا كان الله أعظم وأكبر وأجل من أن يُقدِّر العباد قدره، أو تدركه أبصارهم، أو يحيطون به علماً، وأمكن أن تكون السماوات والأرض في قبضته لم يجب -والحال هذه- أن يكون تحت العالم، أو تحت شيء منه، فإن الواحد من الآدميين إذا قبض قبضة أو بندقة أو حمصة أو حبة خردل، وأحاط بها بغير ذلك، لم يجز أن يُقال: إن أحد جانبيها فوقه، لكون يده لما أحاطت بها كان منها الجانب الأسفل يلي يده من جهة سفلها، ولو قُدِّر من جعلها فوق بعضه بهذا الاعتبار، لم يكن هذا صفة نقص بل صفة كمال.
__________
(1) - الزمر: 67.
************************************
وكذلك أمثال ذلك من إحاطة المخلوق ببعض المخلوقات، كإحاطة الإنسان بما في جوفه، وإحاطة البيت بما فيه، وإحاطة السماء بما فيها من الشمس والقمر والكواكب، فإذا كانت هذه المحيطات لا يجوز أن يُقال: إنها تحت المحاط، وأن ذلك نقص، مع كون المحيط يحيط به غيره، فالعلي الأعلى المحيط بكل شيء، الذي تكون الأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه، كيف يجب أن يكون تحت شيء مما هو عالٍ عليه أو محيط به، ويكون ذلك نقصاً ممتنعاً؟!
وقد ذُكر أن بعض المشايخ سئل عن تقريب ذلك إلى العقل، فقال للسائل: إذا كان باشق كبير، وقد أمسك برجله حمصة أليس يكون ممسكاً لها في حال طيرانه، وهو فوقها ومحيط بها؟ فإذا كان مثل هذا ممكناً في المخلوق، فكيف يتعذّر في الخالق؟) (1).
ومن الواضح اعتماد ابن تيمية على دليل الكمال والنقص في الاستدلال على العلو والفوقية والرد على مخالفيه، ولذا فإن الرازي حين قال عن هذه المقدمة (جهة فوق أشرف الجهات): إنه كلام خطابي، رد عليه ابن تيمية وقال.....’’’انتظره
__________
(1) - درء التعارض ج6 ص: 339 - 340.
==================================
[5] ابن تيمية والجهة العدمية.....*
يتابع صديقنا الشيخ أحمد زاهر قائلا: ‘‘‘‘ومن الواضح اعتماد ابن تيمية على دليل الكمال والنقص في الاستدلال على العلو والفوقية والرد على مخالفيه، ولذا فإن الرازي حين قال عن هذه المقدمة (جهةُ فوق أشرفُ الجهات): إنه كلام خطابي، رد عليه ابن تيمية وقال: (ليس كذلك، وذلك لأنه قد ثبت بصريح المعقول أن الأمرين المتقابلين إذا كان أحدهما صفة كمال والآخر صفة نقص، فإن الله يوصف بالكمال منها دون النقص، فلما تقابل الموت والحياة، وُصف بالحياة دون الموت) وضرب أمثلة أخرى، ثم يقول: (ولما تقابل المباينة للعالم والمداخلة له وُصف بالمباينة دون المداخلة، وإذا كان مع المباينة لا يخلو إما أن يكون عالياً على العام أو مسامتاً له، وجب أن يُوصف بالعلو دون المسامتة، فضلاً عن السفول.
والمنازع يسلِّم أنه موصوف بعلو المكانة وعلو القهر، وعلو المكانة معناه أنه أكمل من العالم، وعلو القهر مضمونه أنه قادر على العالم، فإذا كان مبايناً للعالم، كان من تمام علوه أن يكون فوق العالم، لا محاذياً له، ولا سافلاً عنه. ولما كان العلو صفة كمال، كان ذلك من لوازم ذاته، فلا يكون مع وجود غيره إلا عالياً عليه، لا يكون قط غير عالٍ عليه) (1).
ويقول بعد ذلك: (ومن المعلوم أن جهة العلو أحق بالاختصاص، لأن الجهة العالية أشرف بالذات من السافلة. ولهذا اتفق العلماء على أن جهة السماوات أشرف من جهة الأرض، وجهة الرأس أشرف من جهة الرِّجل، فوجب اختصاصه بخير النوعين وأفضلهما، إذ اختصاصه بالناقص المرجوح ممتنع) (2).
ونحن نقول: إن الجهة والمكان لا شرف لها في ذاتها، وإنما شرفها لأمر عارض، وكم من عالٍ في مكانه سافل في مكانته، وقد بينا فيما سبق أن الجهات اعتبارية لا وجودية فلا يلزم ما ذكره ابن تيمية، نعم نحن نقر بأن السموات أفضل من الأرض لا لكونها فوقها في المكان، بل لأنها موضع لا يعصى فيه الجبار سبحانه، وليس فيها موضع قدم إلا وملك ساجد لله، ولذا قال بعض العلماء بأفضلية قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم على كل مكان.
ثم كيف تكون جهة العلو والفوق ـ وهي عدمية على رأي ابن تيمية ـ أشرف من الجهة السفلية؟ هل في الجهة العدمية شرف على غيرها؟ إن العدم لا شيء فلا يتصور أن يكون أشرف من غيره.
__________
*انظر السابق: https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/460903700690324/
(1) - درء التعارض، ج7، ص: 5 - 6.
(2) - درء التعارض، ج7، ص: 8.
******************************
وابن تيمية متجرد لنصرة مذهبه، ويعتقد أن لازم الحق حق، ولذلك حين يرد عليه من اللوازم على قضية العلو والجهة ما يستشنع يلتزمه ويستدل عليه بطريقة عجيبة، فمن اللوازم الناشئة عن القول بالعلو والجهة: أن الله تعالى (إن لم يكن لامتداده في جهة العلو نهاية، فكل نقطة فوقها أخرى، فلا شيء يُفرض فيه إلا وهو سفل، وإن كان له نهاية كان فوق طرف العلو خلاء أعلى منه، فلم يكن علواً مطلقاً) (1).
فيرد على ذلك ابن تيمية فيدعي أن غاية الكمال في العلو أن لا يكون فوق العالي شيء موجود، والله موصوف بذلك، ويستدل بحديث:" أنت الظاهر فليس فوقك شيء" (2).
ثم يقول: (الوجه الثالث: أن يقول له إخوانه الذين يقولون: إنه لا نهاية له في ذاته: قولك: «إن ما لا يتناهى فكل نقطة منها فوقها نقطة، فكل شيء منه سفل» -لا يقدح في مطلوبنا، فإن مقصودنا أن لا يكون غيره أعلى منه، بل هو عالٍ على كل موجود، ثم بعد ذلك إذا قدَّرت أنه ما منه شيء إلا وغيره منه أعلى منه، لم يقدح هذا في مقصوده ولا في كماله، فإنه لم يعل على شيء منه إلا ما هو منه لا من غيره.
وأيضاً فإن مثل هذا لابد منه، والواجب إثبات صفات الكمال بحسب الإمكان.
وأيضاً فإن مثل هذا كمال في العلو، ولا يقدح في العالي أن يكون بعضه أعلى من بعض إذا لم يكن غيره عالياً فيه.
وأيضاً فإن الناس متنازعون في صفاته: هل بعضها أفضل من بعض، مع أنها كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه؟ وهل بعض كلامه أفضل من بعض مع كمل الجميع؟
والسلف والجمهور على أن بعض كلامه أفضل من بعض، وبعض صفاته أفضل من بعض، مع كونها كلها كاملة لا نقص فيها) (3)، ويستدل على ذلك بأدلة لا تفيد مدعاه ثم يقول: (لمَ يمتنع أن يكون هو العالي مطلقاً وإن كان منه ما هو أعلى من غيره؟).
فهل رأيتَ أشنع من هذا الكلام في هذا المقام؟ إن حديث ابن تيمية عن تفضيل بعض الصفات على بعض يتناقض مع كمالها وتمامها كل المناقضة، فلا أدري كيف اتسع عقله لذلك؟! أما استدلاله على ذلك بتفضيل بعض القرآن على بعض فإن من قال ذلك من العلماء أكد أنه راجع إلى موضوع الآيات، فلا شك أن موضوع الآيات المتعلقة بالله كسورة الإخلاص أفضل من الآيات المتعلقة بأبي لهب كسورة المسد، وليس الفضل راجعاً إلى نفس الصفة القديمة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وأما استدلاله بحديث اليدين وأن الفضل باليد اليمنى والقسط باليد الأخرى مع أن كلتا يديه يمين، فهو استدلال مبني على تصور الجسمية والحيز المختص بكل يد، كما هو حال كلامه عن علو بعض الذات على بعض، والله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وهذا خوض في كيفية الصفات والذات وقد اتفقنا على تحريمه.
وابن تيمية لا يفهم من صفة قيام الله بنفسه معنى يسلب النقص عنه..... ’’’’ انتظره
__________
(1) - درء التعارض ج7 ص 10.
(2) - أخرجه مسلم 4/ 2084 وغيره عن أبي هريرة.
(3) - درء التعارض، ج7، ص: 12.
=============================
[6] ابن تيمية والجهة العدمية.....*
ويختم العلامة أحمد زاهر كلامه بقوله: "وابن تيمية لا يفهم من صفة قيام الله بنفسه معنى يسلب النقص عنه وهو استغناؤه عن المحل والمخصص، بل يفهم منه معنى وجودياً مقابلاً لقيام العرض بالجوهر مفيداً الحدود والتمايز والانفصال عن الموجودات الأخرى، ولذلك لما كان كل موجود قائماً بنفسه، أي: لذاته حد وانفصال عن الموجودات الأخرى، ترتب على ذلك اختصاصه بجهة وحيز معينين، ولما كان الله سبحانه أشرف الموجودات اختص بأشرف الجهات وهي الفوق، فإذا كان الله في جهة فهو في جهة الفوق.
وهذا الاستدلال التجسيمي قديم ذكره الإمام فخر الدين الرازي في الأربعين ورد عليه قائلاً: (إن اختصاص الجسم بالحيز والجهة قد يكون لذاته المخصوصة، فإنه لا يجب أن يكون اختصاص كل شيء بصفة لصفة أخرى).
وهذا معناه أن الجسم لم يختص بالحيز والجهة لاتصافه بصفة وجودية هي القيام بالنفس، وإنما اختص بالجهة والحيز لأن الجهة والحيز من لوازم ذاته، لا بواسطة صفة اقتضت ذلك، فما كان من ابن تيمية إلا أن ناقشه في مقصده بـ (ذاته المخصوصة) مناقشة غريبة متكلفة حمل الكلام فيها على غير وجهه، وسلك به غير طريقه، ثم بعد كلام ـ فيه من الباطل ما فيه ولا مجال لبيانه هنا ـ قال: (وكذلك إذا قلت لهم: كما لا تعقلون قائماً بنفسه إلا مختصاً بجهة وحيز، فلا تعقلون قائماً بنفسه إلا جسماً، قالوا لك: ونحن نقول بذلك**، ثم يقول: وهذه الحجة ـ وهي الاحتجاج بكون الرب قائماً بنفسه على كونه مشاراً إليه وأنه فوق العالم ـ لمَّا كانت حجة عقلية لا يمكن مدافعتها، وكانت مما ناظر به الكرَّامية لأبي إسحاق الإسفراييني، فر أبو إسحاق وغيره إلى إنكار كون الرب قائماً بنفسه بالمعنى المعقول، وقال: لا أسلِّم أنه قائم بنفسه إلا بمعنى أنه غني عن المحل، فجعل قيامه بنفسه وصفاً عدمياً لا ثبوتياً، وهذا لازم لسائرهم.
ومعلوم أن كون الشيء قائماً بنفسه أبلغ من كونه قائماً بغيره، فإذا كان العَرَض القائم بغيره يمتنع أن يكون عدمياً، فقيام الجسم بنفسه أبلغ في الامتناع، وإذا كان المخلوق قائماً بنفسه، فمعلوم أن هذه صفة كمال تميَّز بها الجسم عن العرض، فخالق الجميع كيف لا يتصف إلا بهذه الصفة الكمالية؟ بل لا يكون قائماً بنفسه ولا بغيره إلا بمعنى عدمي، فيكون المخلوق مختصّا بصفة موجودة كمالية، والخالق لا يتصف إلا بالأمر العدمي، فيكون المخلوق متصفاً بصفة كمال وجودية، والخالق مختصّا بالأمر العدمي، والعدم لا يكون قط صفة كمال إلا إذا تضمن أمراً وجودياً، فما ليس بوجودٍ ولا كمال في الوجود فليس بكمال، فإن لم يكن القيام بالنفس متضمناً لأمر وجودي، بل لا معنى له إلا العدم المحض، لم يكن صفة كمال، وعدم افتقاره إلى الغير أمر عدمي***، والعدمي إن لم يتضمن صفة ثبوتية لم يكن صفة كمال، والعدم المحض لا يفتقر إلى محل، وكل صفة لا يشاركه فيها المعدوم لم تكن صفة كمال.) (1)
وحاصل كلامه: أن القيام بالنفس صفة وجودية تميز بها الجسم عن العرض وكان بها أكمل منه، فكيف يدعي الأشاعرة أن القيام بالنفس صفة سلبية مع أنها وجودية؟ وكيف لا يتصف الله بها إذا كانت وجودية مع أنه أحق بالكمال من المخلوقين؟
ونحن نقول: إن الكمال قد يحصل بالأمر العدمي المستلزم للأمر الوجودي، وقد قدمنا أن وصف أهل السنة بالصفات السلبية لا يقتصر على العدم المحض بل يصفونه بالصفات السلبية المستلزمة للكمالات الوجودية، وبيَّنا أن السلب في بعض المراتب قد يكون كمالاً في فصل (قياس الأولى عند ابن تميمة) فليراجع ثمَّة.
ونقول: إننا لا نسلم أن قيام الجسم بنفسه أمر وجودي أصلاً، فلا يلزم ما قاله ابن تيمية تبعاً للكرامية. والله أعلم"
__________
*انظر السابق: https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/461541907293170/
(1) - الأربعين ج1 ص 162، درء التعارض، ج6، ص:351 - 352.
** قال وليد: أرأيتم كيف أن ابن تيمية لم يستطع عقله أن يتخيل ولو للحظة أن الله ليس بجسم ذي أبعاد وجهة وحد، فهو يوافق هؤلاء المجسمة الذين يتقمص شخصيتهم وينقل قولهم هذا ـ وهم في الواقع شخصية مفترضة، دائما يوري بها ابن تيمية عن قوله هو، ليتمكن من التهرب والقول بأني ليست إلا ناقل ـ وهو أنه يستحيل أن يكون الله ليس بجسم، وليس هذا فحسب بل يجب ـ عند ابن تيمية ـ على الله أن يتصف بصفات الجسم وهو الجهة والتحيز، بل هذا من كمال الله عند ابن تيمية...!!! تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .....!!!!! وقد شرحت ذلك في تعليقاتي على الحالة الرابعة على https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/460903700690324/
***قال وليد: تأملوا هذه المغالطة من ابن تيمية "عدم افتقاره (أي الله) إلى الغير أمر عدمي"، أي أنه يزعم: أن كون الله غير مفتقر لشيء.... هو صفة عدمية وليست كمال عند ابن تيمية .....!!!! إذن كيف وصف الله تعالى نفسه بانه الغني في آيات كثيرة، فقال مثلا: { إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [لقمان: 26]، وهل الغنى إلا الاستغاء عن الخلق وعدم الافتقار إليهم؟!!
ثم إذا كان عدم افتقاره تعالى إلى الخلق ليس كمالا له كما يزعم ابن تيمية، فهل العكس ـ وهو افتقاره تعالى إلى الخلق ـ هو صفة كمال لله؛ والعياذ بالله ؟!!! إذن لمَ أنكر تعالى على اليهود قولهم : {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [آل عمران: 181]؟! ولم أثبت الله عكس هذا القول فقال في موضع آخر: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ} [محمد: 38]؟!
ولم نزّه تعالى نفسه عن الافتقار إلى الولد أو الوالد أو الزوجة كما زعم النصارى فقال: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [يونس: 68]، وقال : {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 3، 4]، وقال: { بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [الأنعام: 101]، وقال: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا} [الجن: 3]؟!!!
ولمَ نزه نفسه عز وجل عن الاحتياج لخلقه كافة فقال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ } [الذاريات: 56 - 58]؟!!!
ولم أخبر عز وجل عن غناه عن عبادتهم أجمعين، فقال : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97]، وقال: {وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} [إبراهيم: 8].
ولم أخبر تعالى بأن عبادات عباده هي في واقع الأمر تعود فائدتها إليهم لا إليه تعالى فهو مستغن عنها ، حيث قال تعالى: { مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ } [الروم: 44]، وقال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46]؟!!!
وفي الحديث القدسي عند مسلم : " يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ......يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر...." الحديث.
فهل يقال بعد كل هذه الآيات والأحاديث التي وصف الله نفسه بالغنى عن خلقه وأنه تعالى غير مفتقر إليهم ولا إلى عباداتهم ولا إلى رزقهم ووووو ....بل هو الغني المطلق وهو رازقهم وخالقهم، وهو من هداهم إلى الإيمان به ثم وفقهم إلى عبادته، ثم يجزل ثوابه لهم عليها، مع غناه عنها وعنهم، وهذا من تمام غناه وكرمه تعالى كما روي في الحديث:"اغدوا يا معشر المسلمين إلى رب كريم يمنُّ بالخير ثم يثيب عليه الجزيل" أخرجه الطبراني وفيه ضعف ولكن معناه صحيح، فهل يقال بعد كل هذا إنّ غناه تعالى وعدم افتقاره إلى خلقه هو صفة عدمية لا كمال فيها كما يزعم ابن تيمية؟!!!!!!
فإن قيل: إن عدم افتقاره إلى الولد والوالد والزوجة وسائر الخلق، هو وإن كان وصفا عدميا، ولكنه يتضمن كمالا، وهو أن الله غني عن المعين والناصر والرازق ونحو ذلك، ولا شك أن هذه صفة كمال، والصفة العدمية إذا تضمنت كمالا فلا خلاف في جواز بل في وجوب اتصاف الله بها، وهذا بخلاف قول الأشاعرة في وصف الله بأنه لا في جهة أو أنه تعالى غير مفتقر إلى محل أو جهة؛ فهذا وصف عدمي محض لا يستتبع كمالا بل العكس هو الكمال.
قلنا: من قال بأن عدم افتقار الله إلى جهة أو محل يقوم به لا يتضمن كمالا؟!!! بل إن استغناء الله عن المكان وتنزهه عن الجهة لَهُو الغنى والكمال المطلق في أبهى وأجلى صوره، وذلك لأن الخَلْق كلَّهم يحتاجون إما إلى مكان أو جهة يشغلونها إذا كانوا أجساما، وإما إلى محل أو جسم يحلون فيه إذا كانوا أعراضا، والله ليس كمثله شيء، وبالتالي فهو غير محتاج إلى جهة أو مكان يشغله، ولا إلى محل أو جسم يقوم به ـ وهذا معنى قيامه تعالى بالنفس ـ وإلا كان مثل خلقه في الافتقار، تعالى عن ذلك.
ثم إن الله موجود قبل خلق الزمان والمكان، ولو كان محتاجا لمكان يشغله أو محل يقوم به لكان حادثا حدوثَ الجسم أو المكان، فثبت أن كماله تعالى في غناه عن المكان والجهة والمحل، لا كما زعم ابن تيمية أن كماله هو في افتقاره إلى المكان والجهة والمحل. ولكن ـ طبعا ـ ابن تيمية ـ غفر الله لنا وله ـ ماهر في التلاعب بالألفاظ ـ وللأسف ـ فهو عبّر عن الافتقار بالصفة، أي أنه بدل أن يقول: إن الله مفتقر إلى مكان وجهة ومحل، قال ما حاصله : مِن كمال الله أن يتصف بالجهة والمكان والمحل لأنه ـ حسب زعمه ـ بما أنه من كمال الجسم أن يتصف بالجهة فمن باب أولى أن يتصف الله بذلك......!!!!
وهذه مغالطة مكشوفة فإن تحيّز الجسم في جهة هو صفة نفسية للجسم، وأما الله فصفته النفسية هي الوجود المنزه عن الزمان والمكان، ووجوده تعالى غير وجود مخلوقاته، وابن تيمية يخلط بين الصفة النفسية للجسم والصفة النفسية لله، لأنه يعتبر أن الله جسم ينطبق عليه ما ينطبق على الأجسام، ويستحيل عقلا عنده أن لا يكون كذلك، كما في النص أعلاه، ثم هو يخلط أيضا بين وجوده تعالى ووجوده مخلوقاته بل إنه يقيس وجود الله على وجود الأجسام بجامع أن الكل مفتقر إلى مكان، وهذا أمر باطل قطعا، ولهذا الكلام شرح مستقل يأتي لا حقا بإذن الله.
فإن قال ابن تيمية: إن الله غني عن الجهة المخلوقة، وأما الجهة العدمية فاتصافه به من كماله.
قلنا: إذا كان الله غنيا عن الجهة المخلوقة فمن باب أولى أن يكون غنيا عن الجهة العدمية، فإن زيدا من الناس مثلا إن استغى عن عَمرٍ في حياته فمن باب أولى أن يستغني عنه في موته .
ثم أليس وصفُ ابنِ تيمية لله بالجهة العدمية ينطبق عليه قول ابن تيمية نفسه: "والعدمي إن لم يتضمن صفة ثبوتية لم يكن صفة كمال"، فأيُّ كمالٍ يتضمنه وصف ابن تيمية لله بالجهة العدمية؟!! وإذا آل أمر ابن تيمية إلى هنا أليس كان الأولى به أن ينزه الله عن مطلق الجهة سواء كانت مخلوقة أم عدمية، هذا على التسليم بهذا التقسيم للجهة؟!!!
وأي معنى بقي لإنكار ابن تيمية على الأشاعرة لأنهم يصفون الله بعدم تحيزه في جهة أو مكان، بحجة أن هذا وصف لله بالعدم إذا كان ابن تيمية نفسه يصف الله بالجهة العدمية؟ فهل وصفه هذا بالجهة العدمية وصف وجودي أم عدمي؟
الجواب: إنه لا يخلو إما أن تكون الجهة العدمية موجودة أو معدومة؛ فإن كانت معدومة فهذا وصف لله بالعدم وهو عين ما أنكره ابن تيمية على الأشاعرة، ثم إن كانت معدومة فكيف يزعم أنه يشار إليها باليد وأنها في جهة فوق، فهل العدم يشار إليه، وهل العدم يوصف بأنه فوق أو تحت أو شمال أو ..... ؟
وإن كانت الجهة العدمية موجودة:
فأولا: هذا تناقض!! فكيف هي عدمية وموجودة في الوقت نفسه، إن أحسن أحوال العدمي هو أن يكون من قبيل الحال والأمر الاعتباري الذي هو وسط بين الوجود والعدم، هذا عند المتكلمين القائلين بالحال أصلا، وإلا فقد نفاه الفخر الرازي وغيره، بل إن ابن تيمية أقر بأن الأمر العدمي لا وجود له فقال في مجموع الفتاوى (5/ 378): وهي أمر عدمي لا وجودي.اهـ
ثانيا: إن كان الجهة العدمية موجودة فمن أوجدها؟ لا يخلو إما أن يكون الله أوجدها وخلقها فهي إذن جهة مخلوقة، وابن تيمية ينزه الله عن الجهة المخلوقة.
وإما أن تكون الجهة العدمية موجودة بذاتها ولم يخلقها الله فهي إذن أزلية مع الله، وهذا باطل لأن الله هو وحده الأزلي لا شريك له في ذلك، وهو تعالى خالق كل شيء كما قال تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62]. فماذا بقي لابن تيمية بعد هذا كله؟!!!
كتبه وليد ابن الصلاح
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق