الجمعة، 16 أكتوبر 2015


(4) محاسن الكلام في صفة الكلام[1]
(هل كلام الله حرف وصوت)

....فإن قلتَ: ولكن بعض الحفاظ اعتبر حفصَ بن غياث ـ الذي تفرد برواية زيادة "فينادي بصوت" عن الأعمش ـ من أحفظ الناس لحديث الأعمش فقد جاء في تهذيب الكمال (7/  62): قال أبو عبيد الآجري سمعت أبا داود يقول: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يقدم بعد الكبار من أصحاب الأعمش غير حفص بن غياث.اهـ

وقال ابن المديني: كان يحيى بن سعيد القطان يقول حفص أوثق أصحاب الأعمش، قال فكنتُ أُنكر ذلك فلما قدمتُ الكوفةَ بآخرة أخرجَ إلي ابنُه عمرُ كتاب أبيه (أي حفص) عن الأعمش فجعلتُ أترحم على القطان[2].اهـ

وعليه: فإذا كان حفص من أحفظ أصحاب الأعمش فلا يضره مخالفته لسائر أصحاب الأعمش ممن لم يروِ زيادة "فينادي بصوت" لشدة إتقانه وحفظه لحديث الأعمش، وبالتالي فلا تكون زيادته هذه شاذة لا سيما على القول بقبول زيادة الثقة.

قلنا: الجواب من أربعة وجوه:

الوجه الأول: إن تقديم ابن مهدي لحفص على غيره من أصحاب الأعمش هو تقديم مقيد، حيث قيّد تقديمه لحفص على غيره ممن هو دون كبار أصحاب الأعمش، وهذا ما تفيده العبارة السابقة وهي " كان عبد الرحمن بن مهدي لا يقدم بعد الكبار من أصحاب الأعمش غير حفص بن غياث" وعليه فلا يشمل كلام ابنِ مهدي أبا معاوية مثلا، لأنه ـ أي أبا معاوية ـ من كبار أصحاب الأعمش كما سنرى.

 الوجه الثاني: سلمنا جدلا أنه تقديمٌ مطلق، إلا أن تقديم حفص بن غياث على سائر أصحاب الأعمش أمر مختلف فيه بين المحدثين، فقد ذهب ابن مهدي إلى تقديمه بالشرط السابق، وذهب غيره إلى تفضيل أبي معاوية محمد بن خازم[3]، فقد جاء في تهذيب الكمال (7/  62) عقب كلام ابن مهدي السابق: وقال أبو داود سمعت عيسى بن شاذان يُقدم حفصا، وكان بعضهم يقدم أبا معاوية[4].اهـ

وجاء في شرح علل الترمذي لابن رجب (ص: 272): وقال الدار قطني : (( أرفع الرواة عن الأعمش : الثوري ، وأبو معاوية ، ووكيع ، ويحيى القطان ، وابن فضيل ، وقد غلط عليه في شيء )) .

وقال ابن عمار: قال أبو معاوية : (( كان أهل خراسان يجيئون إلى الأعمش ليسمعوا منه فلا يقدرون ، فكانوا يجيئون فيسمعون من شعبة عن الأعمش ، فكان شعبة لا يحدثهم حتى يقعدني معه فيقول : يا أبا معاوية أليس هو كذا وكذا ؟ فإن قلت : نعم حدثهم )) . قال ابن عمار : (( إنما يراد من هذا أن أبا معاوية كان أثبت في الأعمش من شعبة )) [5].اهـ

وجاء في تهذيب الكمال (25/  129): قال أبو بكر بن أبي خيثمة: قيل ليحيى بن معين: أيهما أحب إليك في الأعمش عيسى بن يونس أو حفص بن غياث أو أبو معاوية؟ قال: أبو معاوية.اهـ

 وثمة روايات أخرى كثيرة عن ابن معين ترجح أبا معاوية على غيره من أصحاب الأعمش سوى سفيان وشعبة؛ من ذلك ما جاء في تهذيب الكمال (25/  131): جاء أبو معاوية حتى جلس في مجلس شعبة فرفع رأسه فقال: من هذا؟ انظروا.... فإذا هو أبو معاوية.... فقال: يا أبا معاوية سمعتَ حديث كذا وكذا من الأعمش؟ قال: نعم، قال شعبة: هذا صاحب الأعمش فاعرفوه.

 وقال أبو زرعة الدمشقي: سمعتُ أبا نعيم يقول: لزم أبو معاوية الأعمشَ عشرين سنة.

وقال إبراهيم الحربي: قال لي الوكيعي: ما أدركنا أحدا كان أعلم بأحاديث الأعمش من أبي معاوية.

 وقال أحمد بن داود الحراني: سمعت أبا معاوية الضرير يقول: البصراء كانوا عليَّ عيالا عند الأعمش[6].

الوجه الثالث: إن هذا التفضيل والتقديم لحفص بن غياث على غيره من أصحاب الأعمش إن سُلّم به فهو قبل أن يسوء حفظه ويختلط في آخره حياته، فحفص بن غياث مع أنه ثقة إمام، إلا أنه تكلموا في حفظه آخر عمره، وأدرجه الحفّاظ في كتب المختلطين[7]، وأورده الذهبي في الميزان[8]؛ وعدّه ابن رجب في شرح علل الترمذي (ص: 299) من جملة "قوم ثقات لهم كتاب صحيح ، وفي حفظهم بعض شئ".

 وإليك أقوال المحدثين في حفص بن غياث :

 قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: ثقة فقيه تغير حفظه قليلا في الآخر.

وقال في هدي الساري ص 398 : من الأئمة الأثبات أجمعوا على توثيقه والاحتجاج به إلا أنه في الآخر ساء حفظه فمن سمع من كتابه أصح ممن سمع من حفظه.اهـ

 وقال أبو داود: كان حفص بآخره دخله نسيان وكان يحفظ[9]. وقال أبو زرعة الرازي: ساء حفظه بعد ما استقضى فمن كتب عنه من كتابه فهو صالح وإلا فهو كذا[10].

وجاء في تهذيب الكمال (7/  62): عن داود بن رشيد: حفص بن غياث كثيرُ الغلط، وقال أيضا عن محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي كان حفص بن غياث من المحدثين، فذكرت له أنه ذُكر لي أن حفص بن غياث كثير الغلط فقال لا، ولكن كان لا يحفظ حسنا، ولكن كان إذا حفظ الحديث فكان، أي: يقوم به حسنا، قال: وكان لا يَردُّ على أحد حرفا، يقول: لو كان قلبك فيه لفهمته، قال ابن عمار: وكان عسِرا في الحديث جدا، ولقد استفهمه انسانٌ حرفا في الحديث فقال: والله لا سمعتها مني وأنا أعرِفُك.اهـ

وقال ابن معين: جميع ما حدّث به حفصٌ ببغداد والكوفة فمِن حفظه. وقد عقّب العلائي على قول ابن معين فقال في كتابه المختلطين (ص: 25): فحديثه ...(بياض بالأصل).. ونحوه من المناكير مما حدث به من حفظه في الآخر.اهـ[11]

 فإن قلتَ: إذاً كيف أخرج البخاري في صحيحه لحفص مع اختلاطه بأخرة ؟

قلتُ: أجاب الحافظ في هدي الساري ص 398 فقال: "قلتُ اعتمد البخاري على حفص هذا في حديث الأعمش لأنه كان يميز بين ما صرح به الأعمش بالسماع وبين ما دلّسه، نبّه على ذلك أبو الفضل بن طاهر، وهو كما قال".اهـ

قال وليد ابن الصلاح: إذن اعتماد البخاري على حفص إنما كان في حديث الأعمش فقط، هذا شيء، والشيء الآخر أنه إنما اعتمده لتمييز ما دلسه الأعمش وليس لأنه أضبط لحديث الأعمش من غيره وإن كان تمييزه للتدلس شكلا من أشكال الضبط، ولكنه ضبط متعلق بالسند، وليس مرتبطا بضبط المتن، وقد يضبط السند ولا يضبط المتن لأن المتن يروى بالمعنى، وهذا ـ أي عدم ضبط حفص للمتن هنا ـ متعين لأن حفص خالف على الأقل أربعةً من الحفاظ في رواية متن حديث الباب كما رأينا.

على أن هذا ـ أي تمييزه للتدليس في حديث الأعمش ـ فيه نظر بل إشكال أيضا؛ إذ حفص نفسه مدلس فكيف يؤتمن على تمييزه لتدليس غيره...؟!!!!!!
قال الحافظ ابن حجر في طبقات المدلسين أو تعريف أهل التقديس (ص: 20) وهو يسرد المدلسين من أصحاب الطبقىة الأولى ـ وهم كما قال الحافظ: من لم يوصف بذلك الا نادرا  ـ : حفص بن غياث الكوفي القاضي أحد الثقات من أتباع التابعين وصفه أحمد بن حنبل والدارقطني بالتدليس.اهـ

وقد أشار إلى هذا الإشكال الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني فقال معلقا على كلام الحافظ السابق: "وهذا لا يردُّ ما ذكرناه؛ لأنَّه لم يميِّز هنا، مع أنَّه في نفسِهِ مدلِّسٌ أيضًا كما مَرَّ عن الإمام أحمد وابن سعد"[12].
 الوجه الرابع: على التسليم بأن حفصا حدث بالزيادة قبل اختلاطه فإن تقديم حفص على غيره من أصحاب الأعمش.... انتظره
====================
[1] انظر السابق: https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/452877614826266/?hc_location=ufi


[2] فتح الباري لابن حجر طبعة دار المعرفة (هدي الساري/  398)

[3] وهو أحد الحفاظ الأربعة الذين خالفهم حفص بن غياث في حديث أبي سعيد الخدري فرواه حفص بزيادة " فينادى بصوت " وقد سبق بيان ذلك.

[4] واللفظ عند الذهبي في سير أعلام النبلاء (9/  25): وبعض الحفاظ قدّم أبا معاوية.اهـ

[5] تاريخ بغداد، تحقيق د. بشار عواد (3/ 138).

[6] انظر: تهذيب الكمال (25/  131)

[7] مثل ابن الكيال في كتابه الكواكب النيرات (ص: 459)، ومثل سبط ابن العجمي في كتابه الاغتباط بمن رمي من الرواة بالاختلاط (ص: 94)، والعلائي في كتابه المختلطين (ص: 24).

[8] ميزان الاعتدال (1/ 567)

[9] تهذيب التهذيب لابن حجر (2/  359).

[10]  تهذيب الكمال للمزي (7/  61).

[11] قال وليد: والشأن في المختلط أن يُفرّق بين من روى عنه قبل اختلاطه فيُقبل ما رواه عنه، وبين من روى عنه بعد اختلاطه فيتوقف فيه، إلا أن المحدثين لم يميزوا بين من روى عن حفص قبل اختلاطه وبين من روى عنه بعد اختلاطه، وذلك حسب اطلاعي، اللهم إلا قول ابن معين: جميع ما حدّث به حفصٌ ببغداد والكوفة فمِن حفظه.اهـ
 نعم قد يقال إن زيادة حفص "فينادى بصوت" رواها عن حفص بن غياث ابنُه عمر، وكان عمر هذا لديه كتب أبيه حفص، كما تشير إلى ذلك قصة القطان السابقة وفيها عن ابن المديني "فلما قدمتُ الكوفة بآخرة أخرج إلي ابنه عمر كتاب أبيه (أي حفص) عن الأعمش".
إلا أن هذا يوازيه أن أبامعاوية كان من أصحاب الأعمش الكبار فقد صحبه عشرين سنة كما سبق، فيبعد أن يحدث الأعمشُ حفصا بزيادة "فينادى بصوت" ولا يحدث الأعمشُ بها أبا معاوية أو غيرَه من أصحابه؛ فما بالك إذا أضفت إلى ذلك مخالفة حفص لأربعة من الحفاظ من أصحاب الأعمش منهم أبو معاوية الذي بمفرده يوازي حفصا إن لم يفضل عليه كما سبق....؟!!!!!

[12] انظر: آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني (16/ 358)، وهذا قاله المعلمي في رسالة له حول سنة الجمعة القبيلة حيث أورد فيها حديث ابن ماجه : حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ قَالَ:حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَا: جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَصَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا».
ثم علق عليه اليماني بكلام طويل يحسن سرده هنا لتعلقه بحال حفظ هذا، حيث قال اليماني : .... إذ المعروف في هذا الحديث الاقتصار على "أصليت" ونحوه، وهو كذلك في "الصحيحين" وغيرهما. ولم تجئ هذه الزيادة - أي قوله: "قبل أن تجيء" - إلَّا في هذه الرواية التي أخرجها ابن ماجه.

والجواب عنها من وجوه:

الأوَّل: أنَّ حفص بن غياث قال عنه يعقوب: ثقة ثبت إذا حدَّث من كتابه ويُتَّقى بعض حفظه.

وقال ابن عمار: كان لا يحفظ حسنًا، وكان عَسِرًا.

فأطلق هذان وصفَهُ بسوء الحفظ.

وقال أبو عُبيد الآجرِّي عن أبي داود: كان حفص بأَخَرةٍ دَخَله نسيان. فقيَّد أبو داود سوء الحفظ بأَخَرَة وقال أبو عُبيد الآجرِّي عن أبي داود: كان حفص بأَخَرةٍ دَخَله نسيان. فقيَّد أبو داود سوء الحفظ بأَخَرَة.

وقال أبو زُرعة: ساءَ حفظُه بعد ما استُقْضي، فمَن كَتب عنه من كتابه فهو صالح، وإلَّا فهو كذا.

قلت: وهو كما في "تهذيب التهذيب": كوفيّ استُقْضي بها وببغداد.

وقال ابن معين: جميع ما حدَّث به ببغداد من حفظه.

قلت: فحديثه ببغداد كان بأَخَرةٍ، وكان بعد ما استُقْضي، وكان من حفظه. وداود بن رُشَيد بغداديٌّ كما في ترجمته ، فحديثه عنه بأخرةٍ بعد ما استُقْضي، من حفظه.

وقد قال داود بن رشيد نفسه - كما في "تهذيب التهذيب"  -: حفصٌ كثير الغلط.

 الوجه الثاني: قال في "تهذيب التهذيب": وذكر الأثرم عن أحمد بن حنبل أنَّ حفصًا كان يدلِّس. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا، كثير الحديث يُدلّس.

والمدلِّس لا يكون حجَّةً إلاَّ فيما صرَّح فيه بالسَّماع، وقد عَنْعن في هذا الحديث.

الوجه الثالث: أنَّ الأعمش على جلالة قدره معدودٌ في المدلِّسين، والمدلِّس لا يكون حجَّة إلاَّ فيما صرَّح فيه بالسَّماع، وقد عَنْعن في هذا الحديث.

نعم، قال الحافظ في "المقدمة"  في ترجمة حفص بن غياث: "اعتمد البخاري على حفص هذا في حديث الأعمش؛ لأنَّه كان يُميِّز بين ما صرَّح به الأعمش بالسماع، وبين ما دلَّسه، نبَّه على ذلك أبو الفضل ابن طاهر، وهو كما قال".

وهذا لا يردُّ ما ذكرناه؛ لأنَّه لم يميِّز هنا، مع أنَّه في نفسِهِ مدلِّسٌ أيضًا كما مَرَّ عن الإمام أحمد وابن سعد.انتهى كلام المعلمي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق