الأحد، 18 أكتوبر 2015

هل تعلم أن حديث الفطرة الذي يحتج به ابن تيمية مرارا على نظرته في تقسيم التوحيد.... هو عند التحقيق حجة عليه، بل يقوض نظريته من أصلها؟!!
([6] هل تعلم أن ابن تيمية يدّعي أن الرسل لم تأمر الناس بالإيمان بالله عز وجل؟*)
فإن قيل قد روى الشيخان عن أبي هريرة مرفوعا" مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ، ثُمَّ يَقُولُ : فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ". فهذا يدل على أن الإسلام دين الفطرة التي يولد عليها الإنسان، ورأس الإسلام معرفة الإنسان بربه وتوحيده له، فيجب أن يكون مفطورا على ذلك وفقا لهذا الحديث.
قلنا: لا دلالة في الحديث على أن المعرفة بالله أمر فطري، وذلك لوجوه:
الأول: إن الفطرة مختلف في تفسيرها اختلافا شديدة، وثمة أقوال كثيرة للسلف فيها[1]، وإن كان الجمهور على تفسير الفطرة بالإسلام، ولكن ليس معنى قول الجمهور أن المولود يولد وعنده علم بالإسلام وعقائده وشرائعه، فإن هذا باطل بالشرع والحس كما سبق وبيانه، وهذا سلّم به ابن تيمية وابن القيم أنفسهما كما سيأتي، وإنما المراد بفطر الناس على الإسلام أن الله خلقهم قابلين لدين الإسلام غير نابين عنه ولا منكرين له لكونه مجاوباً للعقل مساوقاً للنظر الصحيح حتى لو ترُكوا دون تلقين، وأعملوا عقولهم بعد بلوغهم سن الرشد، وتفكروا ونظروا بشكل سليم لما اختاروا عليه ديناً آخر، كما قرر ذلك غير واحد من المحققين([2])؛ بل إن تيمية أن المعرفة بالله لا يولد عليها الطفل وإنما يكتسبها شيئا فشيئا([3])، وقال ابن القيم " المراد أن كل مولود يولد على إقراره بالربوبية فلو خُلي وعدم المعارض لم يعدل عن ذلك إلى غيره "([4]).
الثاني: لو كان كل إنسان يولد عالما بشرائع الإسلام معتقدا بصحتها عاملا بها ويستمر على ذلك إلى الموت لما كان لبعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بدين الإسلام معنى، بل لما كان لبعثة الرسل عليهم السلام معنى؛ لأنهم بُعثوا جميعا بالإسلام على أحد القولين[5]؛ فإذا كان المولود يولد ويستمر على الإسلام فأي فائدة لبعثتهم؟ تماما كما يقول ابن تيمية أن توحيد الربوبية لا حاجة أن تأمر به الرسلُ أقوامَهم لأنه مركوز في الفطرة.
الثالث: أين في حديث الفطرة هذا أن الإنسان مفطور على توحيد الربوبية؟ بل أين ذُكِر التوحيد فيه أصلا؟ وهل استنباط التوحيد منه إلا كاستنباط ابن تيمية لإقرار المشركين بتوحيد الربوبية من قوله تعالى {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } [لقمان: 25]، مع أنه لا ذِكر للتوحيد قط بكل أشكاله في الآية كما بسطنا ذلك في موضعه؟
فإن قيل: إن توحيد الربوبية من الإسلام الذي يولد المولود عليه.
قلنا: أولا: وهل في الإسلام دعوة إلى توحيد الربوبية؟ كيف وقد أنكرتم أن يكون نبينا وسائر الأنبياء والشرائع بُعثوا بالإيمان بالله وبتوحيد الربوبية، وهذا ما فرغنا من نقضه قبل قليل عليكم، فها أنتم تنقضوه أيضا، لأنكم ادعيتم الآن أن توحيد الربوبية من الإسلام الذي أرسل به نبينا وسائر الأنبياء، فالحمد لله من قبل ومن بعد.
ثانيا: قولكم إن " توحيد الربوبية من الإسلام "؛ قلنا: وأيضا الإيمان بالرسل والملائكة والكتب واليوم الآخر والنطق بالشهادتين الصلاة والصوم والحج والزكاة وبر الوالدين وتحريم الزنا والسرقة وشرب الخمر كل ذلك من الإسلام، فلم قَصَرتم التوحيدَ فيه على توحيد الربوبية في حديث الفطرة ؟ أليس توحيد الألوهية أو توحيد العبادة من الإسلام؟ ألم يقل ابن تيمية عن المتكلمين: "وأخرجوا من الإسلام والتوحيد أمورا عظيمة لم يظنوها من التوحيد وهي أصله ..وهو توحيد العبادة "([6]).
بل إن شمول الإسلام لتوحيد الألوهية أولى من شموله لتوحيد الربوبية، بدليل حديث الشيخين عن ابن عمر، رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان" فالحديث يدل على أن الشهادتين هو أحد أركان الإسلام بل هو ركنه الركين، وشهادة (لا إله إلا الله) عند ابن تيمية تدل على توحيد الألوهية لا على توحيد الربوبية، فإذا كان توحيد الألوهية هو ركن الإسلام الركين، فإن المولود يولد على الإقرار بتوحيد الألوهية طبقا لفهم ابن تيمية لحديث الفطرة، وبالتالي فلا حاجة أن يأتي الرسل بتوحيد الألوهية لأنه مركوز في الفطرة، تماما كما قلتم إن توحيد الربوبية مركوز في الفطرة فلا حاجة أن يدعو الرسل إليه، وبهذا ينتقض مذهبكم من أصله؛ فانظر كيف انقلب حديث الفطرة عليهم ونقض مذهبهم مع كثرة ما يدندون به!
ثانيا: لو سلمنا أن معرفة الله والإيمان به وبتوحيده: أمر مفطور في الإنسان، لما لزم من ذلك أن لا تدعو الرسل إلى الإيمان بالله وتوحيده؛ وهذا على أصل ابن تيمية أظهر، فإنه يدّعي أن الله متصف بالعلو الحسي ـ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ـ وأن علو الله الحسي أمر مركوز في فطرة البشر، بل هو مما تقضيه ضرورة العقل، ومما حصل عليها إجماع الأمم كافة[7]. كذا ادعى ابن تيمية، وعلى أصله كان الرسل في غنى عن الإخبار بعلو الله الحسي، تماما كوجود الله فإنه قرر أنه مركوز في الفطرة فلا حاجة لئن تدعو الرسل إليه، ولكن ابن تيمية ادعى في مسألة العلو أن علو الله الحسي أمر مقرر بالنصوص الصريحة في الكتاب والسنة من أولهما إلى آخرهما، وأن الرسل أجمعوا على التصريح بذلك[8]!! فانظر كيف نقض ابن تيمية غزله؟!
والحاصل أنه وعلى أصل ابن تيمية ليس كل ما هو مركوز في الفطرة يمتنع على الرسل الدعوة إليه، بدليل مسألة العلو هذه، وهكذا أكون أجبت عن الوجه الأول؛ وأما الجواب عن الوجه الثاني الذي قلتم فيه إن........انظر اللاحق:https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/437446473036047/
وانظر هذه الحالة على https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/434467386667289/?hc_location=ufi
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*انظر السابق:https://www.facebook.com/groups/385445711569457/permalink/430360313744663/
[1] انظرها في: فتح الباري (3 / 248)، التمهيد لابن عبد البر (18 / 59)
([2]) وهو قول النووي والقرطبي والطيبي وغيرهم، انظر: شرح النووي على مسلم (16 / 208)، فتح الباري (3 / 249).
([3])درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية - (8 / 461)
([4]) شفاء العليل (1 / 289)، لابن قيم الجوزية، ت: محمد بدر الدين النعساني، دار الفكر - بيروت ، 1978م.
وقال الإمام أبو عمر ابن عبد البر في الاستذكار (8/ 379): وقالوا إنما يولد المولود على السلامة في الأغلب خلقة وبنية وطبعا ليس معها إيمان ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة ثم يعتقدون الإيمان أوالكفر بعد أذا ميزوا.... قالوا: ويستحيل في المعقول أن يكون الطفل في حين ولادته يعقل كفرا أو إيمانا لأن الله عز و جل أخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا؛ قال أبو عمر: هذا القول أصح ما قيل في معنى الفطرة التي يولد الناس عليها والله أعلم.اهـ
[5] " فالرسل - عليهم الصلاة والسلام - جميعا بعثهم الله من أولهم إلى آخرهم بدين الإسلام ، كما قال الله - عز وجل - : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ، فأوضح سبحانه أن الدين عنده هو الإسلام لا دين سواه عنده سبحانه وتعالى . ثم أكد ذلك سبحانه بآية أخرى ، فقال - جل وعلا - : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ . كذا في مجلة البحوث الإسلامية العدد 45، ص8،http://www.alifta.net/Fatawa/FatawaDetails.aspx…
([6]) الفتاوى الكبرى (6 / 566).
([7])درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (6 / 12).
([8])مجموع الفتاوى (5 / 12)، وانظر الفتوى الحموية الكبرى ص201، لابن تيمية، تحقيق د. حمد التويجري، دار الصميعي، ط2/2004م. وانظر للرد عليه: السيف الصقيل بحاشية الكوثري ص90. وقال ابن القيم في نونيته:
فالمرسلون جميعهم مع كتبهم*** قد صرحوا بالفوق للرحمن
وحكى لنا إجماعهم شيخ الورى*** والدين عبد القادر الجياني
وأبو الوليد المالكي أيضا حكى*** إجماعهم علم الهدى الحراني
انظر للرد عليه: السيف الصقيل بحاشية الكوثري ص113.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق